آخر 10 مشاركات
هوى هواء (الكاتـب : - مشاركات : 49 - المشاهدات : 2262 - الوقت: 03:25 PM - التاريخ: 12-08-2019)           »          تلاحى :: شعر :: صبري الصبري (الكاتـب : - مشاركات : 5 - المشاهدات : 730 - الوقت: 12:54 PM - التاريخ: 12-08-2019)           »          تخلصنا من الأعباء (الكاتـب : - مشاركات : 5 - المشاهدات : 44 - الوقت: 07:11 AM - التاريخ: 12-08-2019)           »          الأمل (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 1 - المشاهدات : 17 - الوقت: 05:03 AM - التاريخ: 12-08-2019)           »          خربشات على الماء (الكاتـب : - مشاركات : 717 - المشاهدات : 53349 - الوقت: 11:41 PM - التاريخ: 12-07-2019)           »          لحن العزوف ( قصيدة طويلة ) (الكاتـب : - مشاركات : 2 - المشاهدات : 370 - الوقت: 04:44 PM - التاريخ: 12-07-2019)           »          وعطفك يزرعك سندي (الكاتـب : - مشاركات : 2 - المشاهدات : 194 - الوقت: 04:43 PM - التاريخ: 12-07-2019)           »          قرأت لك (الكاتـب : - مشاركات : 17 - المشاهدات : 1646 - الوقت: 04:35 PM - التاريخ: 12-07-2019)           »          سجل حكمتك لهذا اليوم (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 4967 - المشاهدات : 126120 - الوقت: 04:30 PM - التاريخ: 12-07-2019)           »          ديوان الشاعرة فوزية شاهين (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 203 - المشاهدات : 32512 - الوقت: 10:28 AM - التاريخ: 12-07-2019)


العودة   ::منتديات قناديل الفكر والادب :: > قناديل الفكر الإسلامي > الإسلام و الحياة و الأدب الإسلامي


الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكر الحكيم، سورة الأنفال الأية: 47 ـ 57

الإسلام و الحياة و الأدب الإسلامي


إضافة رد
قديم 09-09-2015, 08:30 AM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
شاعر

الصورة الرمزية عبد القادر الأسود
إحصائية العضو







عبد القادر الأسود is on a distinguished road

عبد القادر الأسود غير متواجد حالياً

 


المنتدى : الإسلام و الحياة و الأدب الإسلامي
افتراضي الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكر الحكيم، سورة الأنفال الأية: 47 ـ 57

ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ
(47)
قولُهُ ـ تبارك وتعالى: {ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا} يَتَضمَّنُ الطعن على المشركين بطريق تنبيه المسلمين وتحذيرهم من أن يسلكوا طريقهم ويتصفوا بصفاتهم، بعد أنْ أمرهم بطاعة الله ورسوله والثبات في ساحة المعركة، والإكثار من ذكره تبار وتعالى. ومما بكَّت الله به كفرة قريش أَنهم خَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ بَطَراً وطُغْيَاناً، وَفَخْراً وَأشَراً، بِمَا أوتُوا مِنَ النَّعْمَةِ، لأنَّ أبا سفيان كان قد أرسل إليهم يعلمهم بنجاةِ القافلةِ، فارتأى العقلاء منهم العودةَ إلى مكَّة لكن كبراءَهم وطُغاتهم، وعلى رَأسِهم أبو جهل، أَخْزاهُ اللهُ، أَصَرَّوا على الخروجِ إلى ماءِ بَدْرٍ والإقامةِ هناك، ونحرِ الجزورِ، وشرب الخمور، وعزفِ القِيانِ، وضَرْبِ الدُفوفِ حتى يَسْمَعَ أَهْلُ الحِجازِ وكلِّ العَرَبِ، بمسيرهم وتحدِّيهم للرَسولِ وأَصْحابِهِ، فتزدادُ هَيْبَتُهم في العَرَبِ، فَلا يجرُؤُ أَحَدٌ عَلى الإيمان بمُحَمَّدٍ وتصديقِ رِسالَتِهِ.
أخرج ابْنُ أَبي حاتمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَباسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما في قولِهِ تَعالى: "ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس} يَعني المُشْرِكين الذين قاتلوا رسولَ اللهِِ ـ صَلى اللهُ عَليْهِ وسلَّمَ، يومَ بَدْرٍ. وأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ الطبريُّ عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ كَعْبٍ القرَظِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قال: لما خَرَجَتْ قُريشٌ مِنْ مَكَّةَ إلى بَدْرٍ، خَرَجوا بالقِيانِ والدُفوفِ، فأَنْزَلَ اللهُ تَعالى: "ولا تكونوا كالذين خرجوا من دِيارِهِم بَطَراً" الآية. وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مجاهدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، في قولِهِ تعالى: "ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً" قال: أَبو جَهْلٍ وأَصْحابُه يَوْمَ بَدْرٍ. وعلى هذا إجماعُ المفسرين.
قولُهُ: {وَرِئَاءَ النَّاسِ} وكان خُروجُهم مِنْ مَكَّةَ إلى بَدْرٍ مُرَاءَاةً لِلنَّاسِ لِيُعْجَبُوا بِهِمْ، وَيُثْنُوا عَلَيْهِمْ بِالغِنَى وَالقُوَّةِ وَالشَّجَاعَةِ .. فإنَّهم لمَّا ورَدَوا الجَحْفَةَ بَعَثَ الحَقَّافُ الكِنانيُّ إلى أبي جهلٍ ـ وكانَ صَديقاً لهُ، بهدايا مَعَ ابْنٍ لَهُ، فلمَّا أَتاهُ قال: إنَّ أَبي يُنْعِمُكَ صَباحاً ويَقول لك إنْ شِئْتَ أَنْ أُمِدَّكَ بالرجالِ أَمْدَدْتُكَ، وإنْ شِئْتَ أَنْ أَزْحَفَ إليكَ بِمَنْ مَعي مِنْ قَرابَتي فَعَلْتُ، فقالَ أَبو جَهْلٍ: قُلْ لأَبيكَ جَزاكَ اللهُ والرحم خيراً، إنْ كُنَّا نُقاتِلُ اللهَ كَما يَزْعُمُ مَحَمَّدٌ فَوَاللهِ مَا لَنا باللهِ مِنْ طاقَةٍ، وإنْ كُنَّا نُقاتِلُ النَّاسَ، فوالله إِنَّ بِنا عَلى النَّاسِ لَقُوَّةٌ، واللهِ ما نَرْجِعُ عَنْ قِتالِ محمَّدٍ حتى نَرِدَ بَدْراً فَنَشْرَبَ فيها الخُمورَ، وتَعْزِفَ عَلَيْنا فِيها القِيانُ، فإنَّ بَدْراً مَوْسِمٌ مِنْ مَواسِمِ العَرَبِ، وسُوقٌ مِنْ أَسْواقِهم، حتى تَسْمَعَ العَرَبُ بهذِه الواقعةِ. فساقاهمُ اللهَ كؤوسَ المنايا بدلاً من كؤوس الخمر، وناحت عليهمُ النوائحُ عوضاً عن عزف القيان، وسمعت العربُ بخزيهم وذلهم.
أَخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أَبي حاتمٍ، وأَبو الشَيْخِ عَنْ قَتادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، في هذه الآيَةِ قولَه: كانَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ الذين قاتلوا نَبِيَّ اللهِ ـ صَلى اللهُ عليه وسلَّمَ، يومَ بَدرٍ خَرجوا ولهم بَغْيٌ وفَخْرٌ، وقد قيلَ لهم يومئذٍ: ارْجِعوا فقدِ انْطَلَقَتْ عِيرُكُمْ وقدَ ظَفرتم، فقالوا: لا واللهِ حتَّى يَتَحَدَّثَ أَهْلُ الحِجازِ بِمَسيرِنا وعَدَدِنا، وذُكِرَ لَنا أَنَّ نَبِيَّ اللهِ قالَ يَومِئِذٍ: ((اللَّهًمَّ إنَّ قُريشاً قد أَقْبَلَتْ بِفَخْرِها وخُيَلائها لِتُجادِلَ رَسُولَكَ)).
قولُهُ: {وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ} وَهُمْ إِنَّمَا يَقْصِدُونَ بِخُرُوجِهِم الصَّدَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ سبحانه، وَمَنْعَ النَّاسِ مِنَ الدُّخُولِ فِي الإِسْلاَمِ، وَالحَدَّ مِنْ انْتِشَارِهِ. بتَحَدِّيهم لِرَسُولِ اللهِ وصَحابَتِهِ الكرام، وإظهارِ قُوَّتهم وشَكيمَتِهم، حتى يخافَهُمُ الناسُ، لا سِيَّما العربُ في شِبْهِ الجَزيرَةِ العَرَبِيَّةَ كلِّها، لأنَّ قريشاً كانوا سَدَنَةَ الكَعْبَةِ التي يُقدِّسُها جميعُ العَرَبِ، ويحجُّون إليْها، فلا يجرُؤُ أحدٌ منهم على الإيمانِ بُمحَمَّدٍ واتِّباعِ دِينِه.
قولُه: {وَاللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} وَاللهُ مُحِيطٌ بهم وبِأَعْمَالِهِمْ، وما يكيدون ويدبّرون، لاَ يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيءٌ، وهو ـ سبحانَه وتعالى، الذي يستدرجهم، وهو الذي يُدبِّرُ لهم لِيُهلكَهم، ويُذلَّهم في الدنيا، وَسَوْفَ يُجَازِيهِمْ فِي الآخِرَةِ، بكفرِهم وطُغيانهم وفُجورِهم وفسوقهم وسُوءِ عَمَلِهم.
قولُهُ تعالى: {بَطَراً وَرِئَاءَ الناسِ} مَصْدرانِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ على الحالِ مِنْ فاعلِ "خَرَجوا" أَيْ: خَرَجُوا بَطِرين ومُرائين. أَوْ هما مَنصوبان على المفعولِ لأجلِهْ، و "رئاء" مصدرٌ مُضافٌ لمفعولِه. "وَيَصُدُّونَ" فعلٌ مضارع من الأفعال الخمسة حذف مفعولُه للدلالة عليه، أو تَناسيهِ. وقيلَ هوَ عَطْفٌ على "بَطَراً" و "رَئاءً" في الوجهين المتقدِّمين. لأنَّهُ مُؤوَّل بالحالِ، أَيْ: بَطرِين ومُرائين وصادِّين الناسَ، أوْ أَنْ يَكونَ قولُهُ: "بَطَراً وَرِئَاء" بمنزِلَةِ يَبْطرون ويُراؤونَ. لكنَّ عطفَ الفعل على الاسم أو العكس غيرُ مستملحٍ لأنَّه تارةً يُقامُ الفِعْلُ مَقامَ الاسْمِ، وأُخرى يُقامُ الاسْمُ مَقامَ الفَعْلِ، لِيَصِحَّ كونُ الكَلِمَةِ مَعْطوفَةً على جِنْسِها، لذلك فالأفضلُ أَنْ يَكونَ "وَيَصُدُّونَ" اسْتَئنَافاً. لأنَّ الاسْمَ كما قال الجرجانيٌّ يَدُلُّ على التَمكينِ والاسْتِمرارِ، ومثالُهُ في الاسْمِ قولُهُ تَعالى في سُورَةِ الكَهْفِ: {وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بالوصيد} الآية: 18. وذلك يَقْتَضي كونَ تِلْكَ الحالةِ ثابتةً راسخةً. والفعلُ يدلُّ على التَجَدُّدِ والحُدوثِ، كما هو في قولِهِ تَعالى في سُورة يونُس ـ عليه السلامُ: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مّنَ السَماءِ والأرض} يونس: 31. فإنَّ ذلك يَدُلُّ على أَنَه تعالى يوصل الرزق إليهم ساعة فساعة. وقد كان أبو جهل ورهطُهُ وشِيعَتُه مجبولين على البَطَرِ والمُفاخَرَة والعُجْبِ، وأَمَّا صَدُّهم عَنْ سبيلِ اللهِ فإنَّما حَصَلَ في الزمان الذي ادَّعى محمَّدٌ ـ عليه الصلاةُ والسلامُ النبوَّةَ. ولهذا السَبَبَ ذُكِرَ البَطَرُ والرئاءُ بِصيغَةِ الاسْم، وذُكِرَ الصَدُّ عَنْ سَبيلِ اللهِ بِصِيغَةِ الفِعْلِ واللهُ أَعْلَمُ.
وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ
(48)
قولُهُ ـ تعالى شأنُهُ: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ إِذْ زَيَّنَ الشَّيْطَانُ لِكُفَّارِ قُرَيْشٍ أَعْمَالَهُمْ بِوَسْوَسَتِهِ، وَإِذْ حَسَّنَ فِي أَعْيُنِهِمْ مَا جَاؤُوا لَهُ، وَمَا هَمُّوا بِهِ. و "التَزيين" إظْهارُ الشَيْءِ زَيْناً، أَي: حَسَناً. أَمّا الذي زَيَّنَهُ لهم فيُحْتَمَلُ أَنْ يَكونَ قد زيَّنَ لهم شِرْكَهم. ويحتَمَلُ أنَّهُ زَيَّنَ لهم قِتالَ رَسُولِ اللهِ ـ صلّى اللهُ عليهِ وسَلَّم.
ويُحتَمَلُ أَنَّهُ زَيَّنَ لهم قوَّتَهم حتى اعْتَمَدوا عليها. ورأَى بعضُهم أَنَّ التَزيِينَ في هذِهِ الآيةِ وما بعدَها هوَ بالوَسْوَسَةِ. وهذا قولٌ ضَعيفٌ يَرُدُّهُ قولُهُ تعالى بعدَ ذلك: "وإنِّي جارٌ لَكُمْ" لأنَّ هذا القولَ لَيْسَ ممّا يُلْقى بالوَسْوَسَةِ، والجُمْهُورُ على أَنَّ إبْليسَ جاءَ كُفَّارَ قُريْشٍ حَقيقَةً بِصُورَةِ سُراقةَ بْنِ مالكٍ، على رَأْسِ جيشٍ مِنْ جُنْدِهِ، ومَعَهم رايةٌ. ففِي َالسيرةِ النبويةِ الشريفةِ لابْنِ هِشامٍ أَنَّهُ جاءَهَمُ بِمَكَّةَ، وفي غَيرِها مِنَ السِيَرِ والمراجعِ أَنَّهُ جاءَهمْ وهُمْ في طَريقِهم إلى بَدْرٍ، وقدْ لَحِقَهم خَوْفٌ مِنْ بَني بَكْرٍ وكِنانَةَ لِحُروبٍ كانتْ بَيْنَهُم، ولقتلهم واحداً منهم، فجاءهم إبْليسُ في صُورَةِ سُراقةَ بْنِ مالِكٍ، الذي كان معروفاً عندهم، فهوَ سَيِّدٌ مِنْ سادات كِنانَةَ، فقالَ لهم: "إني جار لَكُمْ"، ولَنْ تخافوا مِنْ قَوْمي، وهم لكم أَعوانٌ على مَقْصِدِكُم، ولَنْ يَغْلِبَكم أَحَدٌ، فسُرّوا عِنْدَ ذلكَ وتشجَّعوا على المَضَيِّ إلى حتوفهم، لينفذ فيهم قضاءُ الله وقدَرُهُ.
قولُه: {وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ} وَأَطْمَعَهُمْ بِأنَّهُمْ مَنْصُورُونَ، نظراً لكثرة عددهم وما يحشدون مِنْ عدَّةٍ وأسبابِ القوَّةٍ، فلا قِبلَ للمسلمينَ بحربهم، وَأَنَّهُمْ لاَ غَالِبَ لَهُمْ اليومَ مِنَ النَّاسِ جميعاً، فهُم جيشٌ قوِيٌّ، بكلِّ المقاييس، ولذلك فسيكونُ النصرُ حَليفَهم لأنَّهم ـ علاوة عن كثرةِ عَدَدِهم وقوَّةِ عدَّتهم، يُدافعونَ عَنْ دِينِهم، دِينِ آبائهم وأَجْدادِهم، دين العربِ كلهم الذي تدينُ بِهِ وهو (بزعمهم) دين أبيهم إبراهيم ـ عليه السلامُ.
قولُهُ: {وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ} وَطَمْأَنَهُمْ إلَى أَنَّهُمْ لَنْ يُؤْتَوْا فِي دِيَارِهِمْ أَثْنَاءَ غَيْبَتِهِمْ فِي قِتَالِ المُسْلِمِينَ فِي بَدْرٍ، من قبلِ كنانة أو غيرها لأَنَّهُ جَارٌ لَهُمْ وَمُجِيرٌ، وَمُعِينٌ لهم وَنَصِيرٌ.
أَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ الطبريُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أَبي حاتمٍ، وابْنُ مَردوَيْهَِ، والبَيْهَقِيُّ في الدلائلِ، عنِ ابْنِ عبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، قال: جاءَ إٍبْليسُ في جُنْدٍ مِنَ الشَيْاطينِ ومَعَهُ رايةٌ، في صُوَرِ رِجالٍ مِنْ بَني مُدلجٍ في صُورِةِ سُراقَةَ بْنِ مالِكٍ الكِنانيِّ، فقالَ الشَيْطانُ: "لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم" وأَقْبَلَ جِبْريلُ ـ عَلَيْهِ السَلامُ، على إبْلِيسَ، وكانتْ يَدُهُ في يَدِ رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكينَ، فلمَّا رَأَى إبليسُ جِبْريلَ ـ عليه السلامُ، انْتَزَعَ يَدَهُ من يدِ الرجُلِ، ووَلَّى مُدْبِراً هُوَ وشِيعَتُهُ، فقالَ الرَّجُلُ: يا سُراقَةَ إنَّكَ جارٌ لَنَا؟! فقال إبليس: "إني أرى ما لا ترون" وذلك حِينَ رَأَى الملائكةَ ـ عليهم السلامُ: "إني أخافُ اللهَ واللهُ شديدُ العِقاب". ورُوِيَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ وَهْبٍ، أَوْ الحارثَ بْنَ هِشامٍ، قالَ لَهُ حين وَلَّى أَيْنَ سُراقةُ؟ فَلَمْ يَلْوِ عَدُوُّ اللهِ، فَذَهَبَ وَوَقَعَتِ الهزيمةُ، فتُحُدِّثَ بعدَ ذلك أَنَّ سُراقَةَ بْنَ مالكٍ قد فَرَّ بالنّاسِ، فَبَلَغَه ذلكَ سُراقَةَ، فأَتى مَكَّةَ، فقالَ لهم: واللهِ ما عَلِمْتُ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِكُم حَتى بَلَغَتْني هَزيمتُكم، ولا رَأَيْتُكم، ولا كُنْتُ مَعَكَم.
وأَخْرَجَ الطَبرانيُّ، وأَبو نُعيمٍ في الدَلائلِ، عَنْ رِفاعَةَ بْنِ رافعٍ الأَنصاريِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، قال: لمَّا رأى إبليسُ ما يَفْعَلُ المَلائِكَةُ بالمُشْرِكينَ، يَومَ بَدْرٍ، أَشْفَقَ أَنْ يَخْلُصَ القَتْلُ إليْهِ، فَتَشَبَّثَ بِهِ الحارِثُ ابْنُ هِشامٍ، أخو أبي جهل، وهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ سُراقَةُ بْنُ مالِكٍ، فوَكَزَ في صَدْرِ الحارِثِ فأَلْقاهُ، ثمَّ خَرَجَ هارِباً حتى أَلْقى نَفْسَهُ في البَحْرِ، فرَفَعَ يَدَيْهِ فقال: اللَّهُمَّ إني أَسْأَلُكَ نَظِرَتَكَ إيَّايَ.
قولُهُ: {فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ} فَلَمَّا التَقَى المُسْلِمُونَ بِالمُشْرِكِينَ، وَرَأَى الشَّيْطَانُ مَلاَئِكَةَ اللهَ يَحْمُونَ المُسْلِمِينَ، وَلَّى هَارِباً، فنَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ ها هنا أَيْ: بَطلَ كَيْدُهُ وذَهَبَ ما خَيَّلَهُ، وقيلَ رَجَعَ القَهْقَرَى وَوَلَّى مُدْبِراً.
وقالَ بعضُهم: هذا أصلُه، إلاَّ أَنَّهُ قدْ اتُّسِِعَ فيه حتى استُعْمل في كلِّ رُجُوعٍ وإنْ لمْ يَكُنْ قََهْقَرى، قال زُهَيرُ بْنُ أَبي سُلْمَى:
هم يضربون حَبِيْكَ البَيْضِ إذ لَحِقُوا
لا يَنْكُصُون، إذا ما اسْتُرْحِموا رَحِموا
حَبيكُ البَيْضِ: طَرائقُ حَديدِهِ. و "البَيْضُ" جمعُ "بَيْضَةٍ"، وهي الخوذَةُ، مِنْ سِلاحِ المحاربِ. تُشبهُ بيضةَ النعام، والبيتُ منْ قَصيدةٍ له في هَرَمِ بْنِ سِنان، وهي مِنْ جِيادِ شِعْرِهِ. قال:
وما نفعَ المُسْتَأْخِرينَ نُكوصُهُمْ ......... ولا ضَرَّ أَهْلَ السابقاتِ التَقَدُّمُ
وقال المؤرِّج: النُّكوص: الرجوعُ بِلُغَةِ سُلَيْم. قالَ الشاعرُ:
ليس النكوصُ على الأَعْقابِ مَكْرُمَةً ..... إن المكارمَ إقدامٌ على الأَسَلِ
فهذا إنما يُريدُ بِهِ مُطْلَقَ الرُجوعِ لأنَّه كِنايةٌ عَنِ الفِرارِ، وفيهِ نَظَرٌ؛ لأنَّ غَاِلبَ الفِرارِ في القِتالِ إنَّما هُوَ ـ كَما ذُكِر، رُجُوعُ القَهْقَرى.
قولُهُ: {وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَإِنِّي أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} وَقَالَ لأَوْلِيَائِهِ مِنَ الكُفَّارِ: إِنَّهُ بَرِيءٌ مِنْهُمْ. لأَنَّهُ يَرَى مَا لاَ يَرَوْنَ، إِنَّهَ يَرَى المَلاَئِكَةَ يِنْصُرُونَ المُسْلِمِينَ، وَإِنَّهُ يَعْلَمُ مِنْ عَظَمَةِ اللهِ وَقُوَّتِهِ وَسَطْوَّتِهِ، مَا لاَ يَعْلَمُهُ أَوْلِيَاؤُهُ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُ يَخَافُ اللهَ، وَيَعْرِفُ أَنَّهَ تَعَالَى شَدِيدُ العِقَابِ.
فقد جاءَ في مُوطَّأِ مَالِكٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ ابْنِ كَريزٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلَّمَ، قال: ((ما رَأَى الشَيْطانُ نَفْسَهُ يوماً هُو فِيهِ أَصْغَرَ، ولا أَدْحَرَ، ولا أَغْيَظَ مِنْه في يَومِ عَرَفَةَ، وما ذاك إلاَّ لِما رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَحْمَةِ، وتجاوُزِ اللهِ عَنِ الذُنوبِ العِظامِ، إلاَّ ما رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ)). قيلَ: وَما رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ يا رسولَ الله؟ قال: ((أَمَا إِنَّهُ رَأَى جِبريلَ يَزَعُ الملائكة)). وأَخْرَجَهُ الطبريُّ كذلك في تفسيره بلفظٍ قريبٍ. وقولُهُ يزع الملائكةَ، يعني: يُرتِّبُهم ويُسَوّيهم ويَصُفُّهمْ للحرْبِ.
قولُهُ تعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ} إذْ: مَنْصوبٌ بمُضْمَرٍ خُوطِبَ بِهِ النَبيُّ ـ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، بِطَريق التَلْوينِ، أَيْ: اذْكُرْ وَقْتَ تزيين الشيطان، والجملةُ مُسْتَأْنَفَةٌ.
قولُهُ: {وقاللاَ غَالِبَ لَكُمُاليوممِنَ الناس} قال: يجوزُ أَنْ يَكونَ عَطْفاً على "زَيَّنَ"، ويجوزُ أَنْ تَكونَ الواوُ للحالِ، و "قد" مضمرةٌ بعد الواوِ عِنْدَ مَنْ يَشْترطْ ذلك. و "لكم" خبر "لا" فيتعلَّق بمحذوف، أو صفتُه. و "اليوم" منصوبٌ بما تعلَّق به الخبر. ولا يجوزُ أَنْ يَكونَ "لكم" أو الظرفُ مُتَعَلِّقاً بِ "غالب" لأنَّه يَكونُ مُطوَّلاً، ومتى كان مُطَوَّلاً أُعْرِبَ نَصْباً. و "مِنَ الناس" بيانٌ لجنسِ الغالِبِ. وقيلَ: هُو حالٌ من الضمير في "لكم" لتضمُّنه معنى الاستقرار. ومنع أبو البقاء أن يكون "من الناس" حالاً من الضمير في "غالب" قال: لأنَّ اسْمَ "لا" إذا عَمِلَ فيما بَعدَهُ أُعْرِب. والأَمْرُ كذلك.
قولُهُ: {وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ} يجوزُ في هذه الجملةِ أنْ تَكونََ مَعْطوفةً على قولِهِ :لا غالبَ لكم" فيكون قد عَطَفَ جملةً مَنْفِيَّةً على أُخرى منفيةٍ. ويجوزُ أَنْ تَكونَ الواوُ للحالِ. وأَلِفُ "جارٌ" مِنْ واوٍ لِقَولهم "تجاوروا" وقد تقدَّمَ تحقيقُه.
و {لكم} مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ لأنَّهُ صِفَةٌ ل "جار"، ويجوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِ "جار" لما فيه من معنى الفِعل.
قولُهُ: {فلَمّا تراءَتِ الفِئتانِ نَكَص على عقبيه} جوابُ "لمَّا" و "على عَقِبيْه" حال: إمَّا مؤكدةٌ عند مَنْ يَخُصُّه بالقهقرى، أو مؤسَّسةٌ عند مَنْ يَسْتعمله في مطلق الرجوع. وجملة "فلما تراءت الفئتان" معطوفة على المستأنفة: "إذ زين". وقولُهُ: {إني أرى} جملةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ في حَيِّزِ القَوْلِ في محَلِّ نَصْبٍ.
إذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
(49)
قولُهُ ـ تباركت أسماؤه: {إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ} واذْكروا "إذْ يقول المنافقون" مِنْ أَهْلِ المدينةِ. لِما أَخْرَجَ ابْنُ أَبي حاتمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، في قولِهِ تعالى: "إذ يقول المنافقون" قال: وهُمْ يَومَئِذٍ في المسلمين. وأَخْرَجَ عَبْدُ الرزَّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أَبي حاتمٍ عَنِ الحَسَنِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْه، في قولِهِ تعالى: "إذْ يَقولُ المُنافقون والذين في قلوبهم مَرَضٌ" قال: هُمْ قومٌ لم يَشْهَدوا القِتالَ يومَ بَدْرٍ فَسُمّوا مُنافِقين.
أوْ هُمْ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ كانوا أَسْلَموا وبَقُوا بِمَكَّةَ، فخَرجوا يَومَ بَدْرٍ مَعَ الكُفَّارِ، مِنْهُمْ: قيسُ بْنُ الوَليدِ بْنِ المُغيرة، وأَبو القيس بْنُ الفاكِهِ بْنِ المُغيرةِ، والحارثُ بْنُ رَبيعةَ بْنُ الأَسْوَدِ، وعلي بْنُ أُميَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وذلك لَمَّا اقْتَرَبَ المُسْلِمُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ، وَلاَحَظَ هؤلاءِ قِلَّةَ عَدَدِ المُسْلِمِينَ، اسْتَخَفُّوا بِهِمْ، وَظَنَّوا أَنَّهُمْ هَازِمُوهُمْ لاَ مَحَالَةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: غَرَّ هَؤُلاَءِ دِينُهُمْ حَتَّى أَقْدَمُوا عَلَى قِتَالِ قُرَيْشٍ مَعْ قِلَّةِ عَدَدِهِمْ وَكَثْرَةِ عَدَدِ عَدُوِّهِمْ. فَنَسَبوا إقدامَ المسلمين مَعَ قِلَّةِ عدَدِهِم على مُنازَلَةِ المُشْرِكِينَ وهمْ كَثْرَةٌ إلى اغْتِرارِ المسلمين بِدينِهم أَنَّ اللهَ ناصرُهم بِبركَةِ إيمانهم به وبرسولِهِ، فأَدْخَلوا أَنْفُسَهم فيما لا طاقةَ لهمْ بِهِ، فخَرَجوا وهُم ثَلاثمئةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ رجلاً إلى زُهاءَ أَلْفٍ. وهذه في رأيهم جرأةٌ في غير محلها وتهوُّرٌ في غير موضعه. فقدْ أَخْرَجَ عبدُ الرَزّاقِ، وابْنُ المُنذِرِ، عَنِ الكَلْبِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قال: هُمْ قَوْمٌ كانوا أَقَرّوا بالإِسْلامِ وهُمْ بِمَكَّةَ، ثمَّ خَرَجوا مَعَ المُشْرِكينَ يَوْمَ بَدْرٍ، فلمّا رَأَوْا المُسْلِمين قالوا: "غَرَّ هَؤلاءِ دينُهم". وأَخْرَجَ كذلك ابْنُ المُنْذِرِ، وأَبو الشَيْخِ، عَنِ الشَعْبِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، مثلَه. وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حاتمٍ عَنِ ابْنِ إسْحَقَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في قَوْلِه: "إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض" قال: هُمُ الفِئَةُ الذين خَرَجوا مَعَ قُرَيْشٍ، حبَسَهم آباؤهم، فخَرَجوا وَهُمْ عَلى الارْتِيابِ، فلمَّا رَأَوا قِلَّةَ أَصْحابِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قالوا: "غَرَّ هؤلاءِ دينُهم" حين قَدِمُوا عَلى ما قَدِمُوا عَلَيْهِ مِنْ قِلَّةِ عَدَدِهِم وكَثْرَةِ عَدوِّهم، وهُمْ فِئَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ مُسَمَّوْنَ خَمْسَة: قَيْسُ بْنُ الوَليدِ بْنِ المُغيرَةِ، وأَبو قَيْسٍ بْنُ الفاكِهِ بْنِ المُغيرَةِ المَخْزومِيَّانِ، والحارِثُ بْنُ زَمعَةَ، وعليُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، والعاصُ بْنُ مُنَبِّهٍ. وبناءً على ما تقدَّم فالآيةُ تَشْمَلُ الفريقين، فيكون المقصودُ بالمنافقين الذين لم يشاركوا رسولَ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم، من منافقي أهلِ المدينة، ويكونُ المقصودُ بالذين في قلوبهم مرضٌ هم الذين كانوا على ارتيابٍ من أمرهم، الذين ذكروا من أهلِ مكة، ويكون كلٌّ مِنَ الفريقين قد قالَ: "غرَّ هؤلاء دينُهم".
والقولُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ على حَقيقتِهِ ومجازِهِ، الشاملِ لحديثِ النَفْسِ، لأنَّ المُنافقينَ يَقولونَ ذَلك بأَلسِنَتِهم، وأَمَّا الذين في قلوبِهم مَرَضٌ وهُمْ طائفةُ غيرِ المُنافِقين، بَلْ هُمْ مَنْ لَمْ يَتَمَكَّنِ الإيمانُ مِنْ قُلوبِهم. فيَقولونَهُ في أَنْفُسِهم لِما لَهم مِنَ الشَكِّ في صِدْقِ وَعْدِ النَبِيِّ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ، لأنَّهم غيرُ مُوالين للمُنافِقين، ويَجوزُ أَنْ يَتَحَدَّثوا بِهِ بينَ جَماعَتِهم.
و "المرضُ" هُنا مجازٌ في اخْتِلالِ الاعْتِقادِ، شُبِّهَ بالمَرَضِ بِوَجْهِ سُوءِ عاقِبَتِهِ عَلَيْهِم. وقدْ تَقَدَّمَ بيانُه مفصَّلاً عند قولِهِ تَعالى في سورة البقرةِ: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} الآية: 10.
والغُرورُ: إيقاعُ النفسِ في المَضَرَّةِ بتوهُّمِ المَنْفَعَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بيانُهُ عندَ قولِهِ تَعالى في سورة آل عمران: {لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ} الآية: 196. وعند قولِهِ في سورة الأنعام: {زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً} الآية: 112.
قولُه: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} وَلكنَّهم نَسُوا لضعف إيمانهم أَنَّ النَّصْرَ لَيْسَ بِكَثْرَةِ العَدَدِ والعُدَدِ، وإنما هو من الله يهبُه لمن يشاء، فَإِنَّ مَنْ يَتَوَكَّلُ عَلَى اللهِ، وَيُسَلِّمُ أَمْرَهُ إِلَيهِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ قَدِ الْتَجَأَ إِلَى جَانِبٍ عَزِيزٍ مَنيعٍ لاَ يُضَامُ. وَاللهُ حَكِيمٌ يَعْرِفُ وَضْعَ الأمُورِ فِي مَوَاضِعِهَا، فَيَنْصُرُ مَنْ يَسْتَحِقُّ النَّصْرَ. ولذلك أَجابهم الحَقَّ تَعالى بقولِهِ: "ومَنْ يَتَوَكَّلْ على اللهِ فإنَّ اللهَ عَزيزٌ" أي: غالبٌ لا يَذِلُّ مَنْ اسْتَجارَ بِهِ ولا يهون، وإنْ قَلَّ رجالُهُ أو ضَعُفَ سِلاحُه، "حكيمٌ" يَفْعَلُ بِحِكْمَتِهِ البالِغَةِ ما يَسْتَبْعِدُهُ العَقْلُ القاصرُ، ويِعْجزُ عَنْ دَرْكِهِ الفَهْمُ السقيمُ. والإشارةُ في هذه الآيةِ المباركة: أنْ إذا عَظُمَ اليقينُ في قُلوبِ أَهْلِ التُقَى أَقْدَموا على أُمورٍ عِظامٍ، تَسْتَغْرِبُ العادةُ إدْراكَها، أَوْ يَغْلِبُ العَطَبُ فيها، فيَقولُ المُنافِقونَ والذينَ في قُلوبِهم مَرَضٌ: غَرَّ هؤلاءِ طَريقَتُهم، ومَنْ يَتَوَكَّلْ عَلى اللهِ فإنَّ اللهَ عَزيزٌ لا يُغلبُ، ولا يُغلَبْ مَنِ انْتَسَبَ إليْهِ، وتَوَكَّلَ في أُمورِهِ عَلَيْهِ، حَكيمٌ فلا يَخْرُجُ عَنْ حِكْمَتِهِ وقُدْرَتِهِ شَيْءٌ، أَوْ عَزيزٌ لا يُذَلُّ مَنِ اسْتَجارَ بِهِ، ولا يَضيعُ مَنْ لاذَ بِهِ، والْتَجَأَ إلى ذِمارِهِ، حكيمٌ لا يُقَصِّرُ عَنْ تَدْبيرِ مَنِ تَوَكَّلَ عَلى تَدبيرهِ، وكُلُّ ما ذُكِرَ في القُرآنِ مِنَ التَوْحيدِ هُوَ تَنْبيهٌ عَلى قَطْعِ المُلاحَظَةِ عَنِ الأَغْيارِ، والتَوَكُّلِ عَلى الواحِدِ القَهَّار.
قولُهُ تَعالى: {إذ يقولُ} إذ: بَدَلٌ مِنْ "إذ" في الآية السابقة، والعامل فيها إمَّا "زَيَّن"، وإمَّا "نكص"، وإمَّا "شديد العقاب"، وإمَّا "اذكروا".
وقولُه: {غرَّ هؤلاءِ دينَهم} هؤلاءِ: اسْمُ إشارةٍ، مَفعولٌ بِهِ، للفاعلِ المؤخَّرِ "دينُهم". والجملة في محلِّ َنْصْبٍ بالقولِ. وإطلاقُ الغُرورِ ههُنا مجازٌ، وإسْنادُهُ إلى الدينِ حَقيقةٌ عَقْلِيَّةٌ.
وقولُهُ: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ على اللهِفإنَّ اللهَ عزيزٌ حكيمٌ} الواو: عاطفة، "مَن" اسْمُ شَرْطٍ مُبْتَدَأٌ، وجملةُ "يتوكل" خبرُه، وجملةُ الشَرْطِ مُسْتَأْنَفَةٌ. و "على اللهِ" جارٌّ ومجرورٌ متعلقٌ بِ "يتوكَّل" والفاء واقعة في جواب الشرط، و "إنَّ" حرفٌ ناسخٌ مشبَّهٌ بالفعلِ، و "اللهَ" اسمها، و "عزيزٌ" خبرُه، و "حكيمٌ" خبرٌ ثانٍ. وجملة "إنَّ الله عزيزٌ حكيم" جوابُ الشرطِ وجَزاؤهُ. باعتبارِ لازِمِهِ وهُوَ عِزَّةُ المُتَوَكِّلِ على اللهِ ونجاته مِنْ ضيقِ أَمْرِهِ، فهُوَ كنايةٌ عَنِ الجَوابِ، وهذا مِنْ وُجُوهِ البَيانِ وهُوَ كَثيرُ الوُقوعِ في القَرآنِ الكريم، وعليه قولُ زُهَيرٍ ابْنُ أبي سُلمى مِنْ قصيدة له يمدَحُ فيها هَرَمَ بْنَ سِنانٍ بالسماحة والنَدى والكَرَمِ:
قَدْ جَعَلَ المُبْتَغُونَ الخَيْرَ في هَرِمٍ ............. والسَّائِلُونَ إلى أَبْوَابِهِ طُرُقَا
مَنْ يَلْقَ يَوْماً على عِلاّتِهِ هَرَماً ......... يَلْقَ السَمَاحَةَ فيهِ والنَدَى خُلُقا
أي ينل من كرمه ولا يتخلف ذلك عنه في حال من الأحوال. قالَ أمير المؤمنين عُمَرُ ابنُ الخطّابِ ـ رضي اللهُ عنه، لابْنِ زُهَيْرٍ يوماً: ما فَعَلَتِ الحُلَلُ التي كَساها هَرَمٌ أَباك؟ قال: أَبْلاها الدَهْرُ. قال: لَكنَّ الحُلَلَ التي كَساها أَبوكَ هَرَماً لمْ يُبْلِها الدَهْرُ. ومن ذلك قولُ الرَبيعِ بْنِ زِيادٍ العَبْسِيِّ:
مَنْ كانَ مَسْروراً بِمَقْتَلِ مَالكٍ .............. فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنا بِوَجْهِ نَهارِ
يَجِدِ النِساءَ حَواسِراً يَنْدُبْنَهُ .................. باللَّيْلِ قبلَ تَبَلُّجِ الأَسْفارِ
أيْ: مَنْ كانَ مَسْروراً بِمَقْتَلِهِ فَسُرورُهُ لا يَدومُ إلاَّ بَعْضَ يَوْمٍ ثمَّ يُحْزِنُهُ أَخْذُ الثَأْرَِ إمَّا مِنْ ذلكَ المَسْرورِ، إنْ كان هُوَ القاتَلَ أَوْ مِنْ أَحَدِ قَوْمِهِ وذلكَ يُحْزِنُ قومَهُ.
وقولُهُ: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} مَعْطوفٌ على قولِهِ: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} الآية: 48. السابقة، لأنَّها مِنْ جُمْلَةِ الأَخبارِ المَسوقَةِ لِبَيانِ عِنايَةِ اللهِ تَعالى بالمُسْلِمينَ، وللامْتِنانِ عَليهم، فالمُناسَبَةُ بَيْنَها وبين الجُملةِ التي قبلَها: أَنَّها كالْعِلَّةِ لِخَيْبَةِ ظُنونِ المُشْرِكين ونُصَرائهم.
وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ
(50)
قولُهُ ـ تعالى شأنُه: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ} هذا خِطابٌ للنبيِّ ـ صَلى الله عليه وسَلَّمَ، ويَشمَلَ كُلَّ مَنْ هو أَهْلٌ للخِطابِ، والمعنى: لَوْ أنَّكَ عَايَنْتَ الكُفَّارَ حِينَ تَأْتِيهم المَلاَئِكَةُ لِقَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ، إِذاً لَرَأَيْتَ أَمْراً فظيعاً عَظِيماً، وعايَنْتَ مَنْظَراً مخيفاً مرعباً، وشاهدتَ ما تَقْشَعِرُّ الجلودُ مِنْ هَوْلِهِ. والمُرادُ بالذين كَفروا: كُلُّ كافِرٍ، وقيلَ المُرادُ هنا قَتْلى غَزْوَةِ بَدْرٍ مِنَ المُشْرِكينَ لأنَّ الآية وَرَدَتْ في سِياقِ الحديثِ عَنْ غزوةِ بدرٍ وأَحداثِها. لكنْ وإنْ كانَ سَبَبُ هذا السِياقِ غَزْوَةُ بَدْرٍ، فإنَّه من المعلوم أنَّ ذلك العذابَ هو في حَقِّ كُلِّ كافرٍ بآياتٍ وأَحاديثَ كَثيرةٍ. ولم يُخَصِّصْهُ اللهُ هنا لأَهْلِ بَدْرٍ حيثُ قالَ: "وَلَوْ ترى إِذْ يَتَوَفَّى الذين كَفَرُواْ الملائكة يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ..". فالآيةُ تشمَلُهم وغيرَهم من المشركين الذين يموتونَ على الشرك باللهِ تعالى.
قولُهُ: {يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} إِذْ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ إِذَا أَقْدَمُوا، وَيَضْرِبُونَ أَدْبَارَهُمْ إذا وَلَّوا، وذَكَرَ الوُجوهَ والأَدْبارَ للتَعميمِ، أيْ: يَضْرِبونَ جميعَ أَجْسادِهم. فالأَدْبارُ: جمعُ دُبُرٍ، وهو ما دَبُرَ مِنَ الإنْسانِ. كما أنَّ الوُجوهَ كِنايةٌ عَمَّا أَقْبَلَ مِنَه، وهو كما تقولُِ العَرَبُ: ضَرَبْتُهُ على الظَهْرِ والبَطْنِ، كِنايةً عَمَّا أَقْبَلَ وما أَدْبَرَ، أيْ ضَرَبْتُهُ في جميعِ جَسَدِهِ. ودُبُرُ كلِّ شيءٍ ودُبْرُهُ: آخرُهُ ونهايتُهُ. قال الكُميْتُ:
أَعهدَكَ من أولَى الشَّبيبَةِ تطْلُبُ ......... على دُبُرٍ هيهات شَأْوٌ مُغَرِّبُ
وقولُهُ تعالى في سورة ق: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْه وأَدْبارَ السُّجودِ} أي: أَواخِرَ الصّلواتِ. وإدبارُ النجوم غيابُها، قالَ في سُورةِ الطُورِ: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُوم} الآية: 49. أي: وقتَ غِيابها، وإدبارُ الليلِ ذَهابُهُ وتوليه وانقشاعُ ظُلمتِه. قال تعالى في سورة المدثّر: {وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَر} الآية: 33. وقالََ جمُهُورُ المُفَسِّرين: يُريدُ بقولِه: "أدبارهم" أَسْتاهَهَم، ولكنَّ اللهََ كَريمٌ فَكَنَّى عنها بالأدبارِ ولم يُصَرِّحْ. وقالَ ابْنُ عبَّاسٍ: أَرادَ ظُهورَهُم وما أَدْبَرَ مِنْهم، ومَعنى هذا أَنَّ المَلائكةَ كانتْ تَضْرِبُ وُجوهَهم في حالِ الإقْبالِ، وتَلْحَقُهم فَتَضْرِبُ أَدْبارَهُم في حالِ الإدْبارِ. وروَى الحَسَنُ أَنَّ رَجُلاً قالَ: يا رَسُولَ اللهِ رَأَيتُ في ظَهْرِ أَبي جَهْلٍ مِثْلَ الشِراكِ، فقالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهَِ وسلَّمَ: ((ذَلِكَ ضَرْبُ الملائكَةِ))، وقد عَبَّرَ بِجَميعِ الملائكَةِ ومَلَكُ الموتِ واحِدٌ، لأنَّ لِمَلَكِ الموتِ أَعْوانٌ مِنَ المَلائِكَةِ على ذَلكَ، فإنَّهم يَضْرِبونَ ما أَقْبَلَ مِنْ هؤلاءِ الكَفَرَةَ وما أَدْبَرَ، لإِعراضِهم عَنِ الحَقِّ، وإيثارِهِمْ الغيَّ على الرُشْدِ.
قولُهُ: {وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} وَيَقُولُونَ لَهُمْ "ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ"، و"الذوق" مُسْتَعْمَلٌ هنا في مُطْلَقِ الإحساسِ، وإضافةُ العَذابِ إلى الحريقِ: مِنْ إضافَةِ الجِنْسِ إلى نَوْعِهِ، لِبيانِ النَوْعِ، أَيْ: عَذاباً هُوَ الحريقُ، فهِيَ إِضافةٌ بَيانِيَةٌ. والمُرادُ بالحَريقِ جَهَنَّمُ، فَلَعَلَّ اللهَ عَجَّلَ بأَرْواحِ هَؤلاءِ المُشْرِكينَ إلى النارِ قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ. وذلك العذابُ هُوَ بِسَبَبِ كُفْرِهمْ وَسُوءِ أَعْمَالِهمْ. وقيلَ كانوا يَقولون للكُفَّارِ حينئذٍ هذا اللفظَ فحَذَفَ يَقولونَ اخْتِصاراً. وقيلَ معناهُ: وحالهم يومَ القيامَةِ أَنْ يُقالَ لهم هذا. وَتَشْمَلُ هذِهِ العُقوبَةُ جميعَ الكافرينَ أَيْضاً، حَالَ مُوَافَاةِ المَلاَئِكَةِ لهم وَهُمْ عَلَى فِرَاشِ المَوْتِ لِقَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ، وَنُفُوسُهُمْ تَرْفُضُ الخُرُوجَ، لِما تَعْلَمُهُ مِمَّا ارْتَكَبَتْهُ مِنْ شُرورٍ وَآثِام فِي الدُّنْيا، ولِما تَعْلَمُهُ مِمَّا يَنْتَظِرُهَا مِنْ عَذَابِ اللهِ الشَّدِيدِ فِي الآخِرَةِ، كَمَا جَاءَ فِي سورة الأَنْعامِ: {وَلَوْ ترى إِذِ الظالمون فِي غَمَرَاتِ الموت والملائكة باسطوا أَيْدِيهِمْ، أَخْرِجوا أَنْفُسَكُمُ} الآية: 93.
قولُهُ تَعالى: {ولو ترى} المُضارِعُ هُنا بمعنى الماضي لأنَّ "لَوْ" الامتناعية تَرُدُّ المُضارِعَ ماضِياً، كما أَنَّ إِنْ تَرُدُّ الماضيَ مُضارِعاً، أَيْ: ولو رَأَيْتَ "إِذْ يَتَوَفَّى الذين كَفَرُواْ الملائكةُ" .. الخ لرَأَيْتَ أَمْراً فَظيعاً، ولا بُدَّ مِنْ حملِ مَعنى المُضِيِّ هُنا عَلى الفَرَضِ والتَقْديرِ، ولَيْسَ المعنى على حقيقةِ المُضِيِّ، و "إذ" ظَرْفُ ل "ترى" والمَفعولُ محذوفٌ، أَيْ: ولَوْ تَرَى الكَفَرَةَ، أَوْ حالَهُمْ حِينَئِذٍ، و "الملائكة" فاعلُ "يتوفى"، والموصولُ "الذين" مفعولُهُ. وقد قُدِّمَ المَفعولُ للاهْتِمامِ بِهِ، ولمْ يُؤَنَّثِ الفِعْلُ لأَنَّ الفاعلَ غَيرُ حَقيقيِّ التَأْنيثِ، وقد حَسَّنَ ذَلِكَ الفَصْلُ بَيْنَهُما.
قوله: {وَذُوقُواْ} مَنْصوبٌ بإضْمارِ قَوْلِ الملائكةِ، أَيْ: يَضْرِبونَهم ويَقولونَ لهم: "ذوقوا". وقيلَ: الواوُ في "يَضْربون" للمؤمنين، أَيْ: يَضْربونَهُم حَالَ القتالِ، وحالَ تَوَفَّى أَرواحَِهُمُ المَلائكةُ. وجملة "يضربون" حالٌ مِنَ "الملائكة"، وجوابُ الشَرْطِ محذوفٌ تقديرُهُ: "لرأيت أمرًا عظيمًا".
وجملة: "وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ" مَعطوفَةٌ على جملةِ: "يَضْرِبُونَ" بِتَقْديرِ القَوْلِ، فهي في محلِّ نصبٍ بالقولِ، لأنَّ هذِهِ الجُمْلَةَ لا مَوْقِعَ لها مَعَ التي قَبْلَها، إلاَّ أَنْ تَكونَ مِنْ قولِ الملائكَةِ، أَيْ: ويَقولونَ: "ذوقوا عذابَ الحريق".
قَرأَ الجمهورُ {يَتَوفّى} بياءِ الغَيْبَةِ، والأظهرُ فيه أنها لموافَقةِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الفاعلَ هو "الملائكة" وإنما ذُكِّر للفصْلِ؛ لأنَّ التأنيثَ مجازيٌّ. أو أنَّ الفاعلَ ضَميرُ اللهِ تَعالى لِتَقَدُّم ذِكْرِه، و "الملائكةُ" مُبْتَدَأٌ وجملة "يَضْربون" خَبرُهُ. وهذِه الجملةِ حينئذٍ إمّا أَنَّها حالٌ مِنَ المَفعولِ. أو هي استئنافيَّةٌ جواباً لسؤالٍ مُقَدَّرٍ، وعلى هذا فيُوقَفُ على "الذين كفروا" بخلافِ الوَجهينِ قَبْلَهُ. وضَعَّفَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَجْهَ الحالِ بِعَدَمِ الواوِ، ولَيْسَ بِضَعيفٍ لِكَثْرَةِ مَجيءِ الجُمْلَةِ الحاليَّةِ مُشْتَمِلَةً على ضَميرِ ذي الحالِ خاليةً مِنْ واوٍ نَظْماً ونَثْراً. وعلى كونِ "الملائكة" فاعلاً يَكونُ "يَضْربون" جملةً حاليَّةً سَواءً قُرِئَ بالتَأْنيثِ أَمْ بالتَذكيرِ. وجَوابُ "لو" محذوفٌ للدَلالةِ عَلَيْه، أَيْ: لَرَأَيْتَ أَمْراً عَظيماً، وقد تقدَّم. وقَرَأَ ابْنُ عامرٍ والأَعرَجُ "تتوفَّى" بتاءِ التأنيثِ في "تَتوفَّى" لِتأْنيثِ الجماعةِ.
ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ
(51)
قولُهُ ـ تعالى شأنُه: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} وَهذا العَذابُ الذي مِنْهُ ضَرْبُ الوَجْهِ والقَفا، أَوِ القُبُلِ والدُبُرِ، وغيرُهُ مِنْ أَلْوانِ العذابِ التي لا يَعْلَمُها إلاَّ اللهُ تَعالى ـ نَعُوذُ بِرِضاهُ مِنْ غَضَبِهِ، وبِعَفْوِهِ مِنْ عُقُوبَتِهِ، وما أنْتم فيه من ذلٍّ وهوانٍ وصغارٍ، إنَّما هُوَ بِسَبَبِ ما قدَّمْتمْ مِنْ كفرٍ وما ارْتَكَبْتُمْ مِنْ عصيانٍ لمولاكم العظيم. وهو مِنْ حديثِ المَلاَئِكَةُ مَعَ الكُفَّارِ وَهُمْ يَقْبِضُونَ أَرْوَاحَهُمْ، فَيَقُولُونَ لَهُمْ: إِنَّ هَذَا العَذَابُ الذِي يَنْزِلُ بِكُمْ إِنَّمَا كَانَ بِسَبَبِ مَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ، وَمَا عَمِلْتُمْ مِنْ سَيِّئَاتٍ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيا، وخُصَّتِ الأَيْدي بالذِكْرِ، للدَّلالَةِ على التَمَكُّنِ مِنَ الفِعْلِ وإرادَتِهِ، وأَنَّ أَكْثَرَ الأَفْعالِ يَكونُ عَنْ طَريقِ البَطْشِ بالأَيدي. ولأنَّ نِسْبَةَ الفِعلِ إلى اليَدِ تُفيدُ الالْتِصاقَ بِهِ، والاتِّصالَ بِذاتهِ.
قولُهُ: {وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلامٍٍ لِلْعَبِيدِ} فإِنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يَظْلِمُ أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ، وَهُوَ الحَكَمُ العَدْلُ الذِي لاَ يَكونُ مِنْهُ ظُلْمٌ أَبَداً. فالظلمُ ممّا هُوَ مُسْتَحيلٌ في حَقِّ الأُلوهِيَّةِ.لأنَّ دافعَ الظلمِ إنما يكونُ لجلبِ نفعٍ له أو دفع ضررٍ عنه، وهو ـ سبحانه وتعالى، مُنَزَّهٌ عنهما. لأنَّهما يَعْنيانِ وجودَ نقصٍ فيمن يحتاجُ لجَلْبِ النَفْعِ أَوْ دَفْعِ الضَرَرِ. وفي صَحيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبي ذَرٍّ ـ رَضِيَ اللهُ عنه، عَنْ رَسولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ اللهَ تعالى يقولُ(يا عبادي إني حَرَّمْتُ الظُلمَ على نفسي، وجعلتُه بينَكم مُحَرَّماً، فلا تَظالَمُوا، يا عبادي إنَّما هي أعمالُكم أُحْصيها لكم، فمَنْ وَجَدَ خيراً فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ وَجَدَ غيرَ ذَلك فلا يَلومَنَّ إلاَّ نَفْسَهُ)) والحديث طويل نفيس.
وسِرُّ التَعبيرُ بصيغةِ المبالغةِ "ظَلاَّمٍ"، مَعَ أَنَّ نفيَ المَصْدَرِ (الظُلْمِ) أَبْلَغُ، فنَفْيُ الكَثْرَةِ لا يَنْفي أَصَلَه. أَنَّ "ظلاّم" جمعُ حالاتٍ منِ الظُلْمِ ونفيُ الكَثْرَةِ، نَفْيٌ لِكُلِّ حالَةٍ منها. فإذا انْتَفى الكثيرُ، انْتَفى القليل، لأن الذي يَظْلِمُ إنما يفعلُ ذلك للانتِفاعِ بِهِ، فإذا تَرَكَ كَثيرَهُ، مَعَ زِيادَةِ نَفْعِهِ في حَقِّ مَنْ يَجُوزُ عَلَيْهِ النَفْعُ والضَرُّ، كان بقَليلِهِ أَزْهَد.
قولُهُ تعالى: {ذلك بما قدَّمت أيديكم} اسْمُ الإشارة "ذلك" مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ جملَةُ "بما قدَّمت أيديكم"، و "بما" جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بالخَبَرِ. والباءُ للسَبَبِيَّةِ. وتقديمُ الأَيْدي مجازٌ عَنِ الكَسْب والفِعْلِ.
قولُهُ: {وَأَنَّ الله} عَطْفٌ على "ما" الموصولة المجرورة بالباءِ، أيْ: ذلك بِسَببِ تقديمِ أَيديكم، وبِسَبَبِ أَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ للعَبيدِ، وقيلَ: "وَأَنَّ الله" خبرٌ لِمُبْتَدأٍ محذوفٍ.
قولُهُ: {ليس بظلام للعبيد} ليس فعلٌ ناسخٌ ناقصٌ مِنْ أَخَواتِ "كان" واسمها ضميرُ الحق تعالى، و "بظلامٍ" مجرورٌ بالباء لَفْظاً منصوبٌ محلاًّ على أنّه خبرُ "ليس" و "للعبيد" جارٌّ ومجَرورٌ متعلِّقٌ بالخبر، وهذه الجملةُ بِناءُ مُبالَغَةٍ. والباءُ في خَبَرِ لَيْسَ زائدةٌ. وهذه الجملةُ اعْتِراضٌ تَذييليٌّ مُقَرِّرٌ مَضْمونَ ما قَبْلَهُ. أيْ: ذلك الذي نَزَلَ بِكُمْ سَبَبُهُ ما قدمتْهُ أيدكم، والأمرُ أَنَّ اللهَ تعالى، ليس بمعذِّبٍ لِعبيدِهِ مِنْ غيرِ ذَنْبٍ جَنَوْهُ. ويجوزُ أَنْ يَكونَ مَعطوفاً على "ما" المجرورةِ بالباءِ. أي: ذلكَ بِسَبَبِ ما قدَّمَتْهُ أيديكم وأَنَّ اللهَ ليسَ بِظَلاّمٍ للعَبيدِ كما تقدَّم.
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ
(52)
قولُهُ ـ تعالى شأنُه: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} متابعةٌ للخطابِ السابِقِ، فهَؤُلاَءِ المُشْرِكُونَ، إِنَّمَا يَفْعَلُونَ مَا فَعَلَهُ قَبْلَهُمْ قَوْمُ فِرْعَوْنَ، فالدَأْبُ العادةُ المُسْتَمِرَّةُ، ومِنْهُ قولُ الشاعر خِراشِ ْبنِ زُهيرٍ العامرِيِّ:
وما زال ذاك الدأب حتى تخاذلت ...... هوازن وارفضت سليم وعامر
ومنه كذلك قولُ امرئ القيس:
كَدَأْبِكَ مِنْ أُمِّ الحُوَيْرِثِ قَبْلَها ............. وجارَتِها أُمِّ الرَّبابِ بِمَأْسَلِ
وهو مأخوذٌ مِنْ دَأَبَ عَلى العَمَلِ إذا لَزِمَهُ، ومِنْهُ قولُهُ ـ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، لِصاحِبِ الجَمَلِ الذي هَشَّ إليْهِ وأَقْبَلَ نَحْوَهُ وقدْ ذَلَّ ودَمَعَتْ عَيْناهُ: ((إنَّهُ شَكا إليّ أنَّكَ تُجيعُهُ وتُدْئِبُه)). أَخْرَجَ هذا الحديثَ الإمامُ أَحمد في مُسْنَدِهِ عَنْ عَبْدِ اللهِِ بْنِ جَعْفَر ـ رضي اللهُ عنهم جميعاً، ونَصُّ الحديث: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ذَاتَ يَوْمٍ خَلْفَهُ فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا لا أُخْبِرُ بِهِ أَحَدًا أَبَدًا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَحَبُّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ فِي حَاجَتِهِ هَدَفٌ أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ، فَدَخَلَ يَوْمًا حَائِطًا مِنْ حِيطَانِ الأَنْصَارِ، فَإِذَا جَمَلٌ قَدْ أَتَاهُ فَجَرْجَرَ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، قَالَ بَهْزٌ وَعَفَّانُ فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ فَمَسَحَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَرَاتَهُ وَذِفْرَاهُ، فَسَكَنَ. فَقَالَ ـ عليه الصلاةُ والسلامُ: ((مَنْ صَاحِبُ الْجَمَلِ؟)) فَجَاءَ فَتًى مِنْ الأَنْصَارِ فَقَالَ: هُوَ لِي يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: ((أَمَا تَتَّقِي اللهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَهَا اللهُ، إِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُه)). مُسْنَدُ الصَحابة في الكُتُبِ التِسْعَةِ: (47/324). قالَ شُعيبُ الأرنؤوط: هو صحيحٌ على شرطِ مسلم. والمُرادُ من قولِه: "كَدَأْبِ آلِ فرعونَ" أَيْ: كَشَأْنِ آلِ فِرْعَونَ الذي استمروا عليه، ممَّا فَعَلُوا وفُعِلَ بهم مِنْ أَخْذٍ. فهُمْ المشهورون بِقَباحَةِ الأَعْمالِ وفَظاعَةِ العَذابِ والنَكالِ. وعن جابرِ بْنِ زيدٍ، وعامرٍ الشَعْبيِّ، ومجاهد، وعطاء ـ رضي اللهُ عنهم جميعاً: أَنَّ مَعنى "كدأبِ آل فرعون": كَسَنَنِ آلِ فِرْعَوْن.
قولُهُ: {كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ} تفسير لدأبهم والمعنى، أنَّهم استمروا بالكفر والعصيان، واستمرَّ عليهم العذاب والهوان، وسنَفْعَلُ بِهِؤلاءِ مَا كَانَ مِنْ دَأْبِنَا وَعَادَتِنَا أَنْ نَفْعَلَهُ بِأَمْثَالِهِمْ مِنَ المُكَذِّبِينَ الذِينَ سَبَقُوهُمْ، كقوم فرعون وغيرهم من الأمم الكافرة، فَقَدْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ.
قولُهُ: {إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ} وَاللهُ قويٌّ لا حدودَ لقوَّتِ، قادرٌ على ما يشاءُ فإذا كُفِرَ بِهِ بعد إرسالِهِ الرُسُلَ يبيّنونَ للخلقِ ويدلونهم ويرشدونهم إلى الطريق القويم، فإنَّه يعاقبُ المصرَّ على كفره ومعصيته بأشَدِّ العِقَابِ وهو القويُّ على ذلك والقادرُ عليه.
قوله تعالى: {كدأب} خبرٌ عَنْ مُضْمَرٍ، أَيْ: دَأْبُ هؤلاءِ مِثْلُ دَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ، وهو عَمَلُهُم وطَريقَتُهم، التي دَأَبوا فيها، أَي: داموا عليها.
قولُهُ: {كفروا بآيات اللهِ} جملةٌ تَفْسيريَّةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعْرابِ، أَوْ هِيَ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافاً نَحْويّاً أوْ بَيانِيّاً، أَوْ هِيَ في مَحَلٍّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ.
قولُهُ: {فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ} الفاءُ لِبيانِ كَوْنِ الدَأْبِ مِنْ لَوَازِمِ جِناياتِهم وتَبِعاتِها المُتَفَرِّعَةِ عَلَيْها. وهذِهِ الجملةُ هِيَ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ "كَفَروا بآياتِ اللهِ".
قولُهُ: {إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ} جملةٌ اعْتِراضِيَّةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمونِ ما قَبْلَها مِنَ الأَخْذِ.
ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
(53)
قولُهُ ـ تعالى شأنُه: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} يُخْبِرُ اللهَ تَعَالَى عَنْ تَمَامِ عَدْلِهِ فِي حُكْمِهِ فِي أُمُورِ العِبَادِ، وَأَنَّهَ تَعَالَى لاَ يُغَيِّرُ نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى أَحَدٍ إِلاَّ بِسَبَبِ ذَنْبٍ ارْتَكَبَهُ. وَأَنَّهُ إِنَّمَا أَخَذَ قُرَيْشاً بِكُفْرِهَا بنِعَمِ اللهِ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِ رَبِّهِمْ، فَكَذَّبَهُ الكُفَّارُ مِنْهُمْ وَأَخْرَجُوهُ وَحَارَبُوهُ كَمَا أَخَذَ الأُمَمَ المُكَذِّبَةَ قَبْلَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ. فذلك العذابُ الذي حَلَّ بهم، إنَّما كان بِسَبَبِ كُفْرِهم و ذُنوبهم؛ لأنَّ اللهَ تعالى لا يَغيرُ نِعْمَةً أَنْعَمَها على قومٍ من عباده ويُبَدِّلها بالنِّقْمَةِ إلاَّ إذا غَيَّروا هم ما بِأَنْفسُهم، أي: حتى يُبَدِّلوا ما بِأَنْفُسِهم، مِن ْحالِ الشُكْرِ إلى حالِ الكُفْرِ، أَوْ مِنْ حالِ الطاعةِ إلى حالِ المَعصيَةِ، كَما غيَّرتْ قريشٌ حالهم: مِنْ صِلَةِ الرَحِمِ، والكَفِّ عَنِ التَعَرُّضِ للرسولِ ومَنْ تَبِعَهُ بالعداوةِ الإيذاءِ، والتوقُّف عن السَعْيِ في إراقَةِ دمائهم، والتكذيبِ بالآياتِ اللهِ والاستهزاء بها. إلى غير ذلك مما أَحْدَثوهُ بَعْدَ البِعْثَةِ. لقد كَذّبوا رَسولَ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ، وأخْرَجوهُ منْ ديارِهِ وبلده مكَّة، وحارَبوهُ وأصحابه ـ رضي اللهُ عنهم، وسَلَبوهم أَمْوالَهم، فَفَعَلَ اللهُ بهم كَما فَعَلَ بالأُمَمِ مِنْ قَبْلِهم، وسُنّةُ الله في خلقه أنْ لا يُغَيِّرَ نِعمةً أَنْعَمَها على قَوْمٍ، كَنِعْمَةِ الأمْنِ والرَخاءِ والعافيةِ، حتى يُغَيِّروا ما بَأَنْفُسِهم.
قولُهُ: {وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} وأنَّ اللهَ "سميعٌ" لما يَقولونَ سرِّه وعلنه "عليم" بما يَفعلونَ من منكرات وما يدبرون من مؤامرات. وفيه وعيدٌ لهم وتهديدٌ، لأنه إذا كان يسمع ما يقولون ويعلم ما يفعلون فهو سبحانه لا بدَّ معاقبهم.
قوله تعالى: {ذلك بِأَنَّ اللهَ} ذلك: مبتدأٌ وخبرُهُ جملة: "أَنَّ" الحرف الناسخ المشبَّه بالفعلِ واسمها "اللهَ" وخبرُها، أَيْضاً كنظيرِهِ السابق، أيْ: ذلكَ العَذابُ، أَوِ الانْتِقامُ، كائنٌ أو حاصلٌ بِسَبَبِ أَنَّ اللهَ. فالباء للسببيَّةِ والجملة تعليلية. أَوْ هُوَ في مَحَلِّ رَفْعِ خَبرٍ لمبْتِدأٍ محذوفٍ، والتقديرُ: الأَمْرُ ذلك.
وقوله: {لمْ يَكُ مُغَيِّراً} يَكُ: جَزْمٌ بِ "لم" وجزْمُهِ بحذفِ النُون، والأَصْلُ "يكون" فإذا دَخَلَتْ "لم" حُذِفَتِ الواوُ فأَصْبَحَتْ "لمْ يَكُنْ"، ثمَّ قالوا: "لمْ يَكُ" فكأنَّهم قَصَدوا التَخْفيفَ فَتَوَهَّمُوا دُخُولَ "لم" على "يَكُنْ" أيضاً فحُذِفَتْ النُونُ للجَزَمِ، وحَسُنَ ذَلِكَ فِيها لِمُشابَهَتِها حُروفَ اللينِ في أَنَّها مِنَ الزوائدِ التي تُحْذَفُ للجَزْمِ، فلذلك حُذِفَتْ هذه النونُ هنا، كما قالوا في "أُبالي": "لمْ أُبالِ"، فحذفوا الياءَ، ثمَّ قالوا: "لمْ أُبَلْ" فتَوَهَّموا دُخولَ "لم" على "أُبالِ" أيضاً فحذفوا منها الألفَ أيضاً.
وقولُهُ: {وأنَّ الله سميعٌ} الجمهورُ على فتح "أنَّ" نَسَقاً على "أنَّ" التي قبلَها، أيْ: وسَبَبٌ أَنَّ اللهَ سميعٌ عليمٌ. ويُقْرأُ بِكَسْرِها على الاسْتِئناف.
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ
(54)
قولُهُ ـ سبحانه وتعالى: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} ودأبُ هؤلاءِ (كفَّارُ قُريْشٍ) في الكُفْرِِ والتَكْذيبِ والاسْتِمرارِ عَلى ذَلِكَ، كدأْبِ قومِ فِرْعَوْنَ والأقُوامِ الأُخُرى الذينَ سَبقوهم، وحالُ هؤلاءِ كَحالِ أُولئك. ولم يُبَيِّنْ هُنا سبحانَه، مَنْ هُمْ هؤلاءِ الذين مِنْ قبلِهم، وما هي ذُنوبُهم التي أَخَذَهُم اللهُ بها. إنّما بَيَّنَ ذلك في مَواضِعَ أُخَرَ فذَكرَ قومَ نُوحٍ، وقَومَ هُودٍ، وقومَ صالحٍ، وقومَ لُوطٍ، وقوْمَ شُعَيْبٍ؛ وذكَرَ ذُنوبَهم التي أُخِذَوا بسبَبِها وهِيَ الكُفْرُ باللهِ، وتَكْذيبُ المرسلين، وهي السِمَةُ المشتركةُ بينَهم جميعاً، ثمَّ كَانَ لكلٍّ مِنْهم مَعصيتُهُ، فثمودُ عقروا الناقةَ، وأَتى قومُ لُوطٍ الفاحِشَةَ، و قومُ شُعَيْبٍ طفَّفَوا المِكْيالَ والمِيزانَ، إلى غيرِ ذلك ممّا جاءَ مُفَصَّلاً في مواضِعِه بآياتٍ كَثيرَةٍ. ولَقدْ كَرَّرَ هُنا قَضِيَّةَ آلِ فِرْعونَ، فكانَتِ المَرَّةُ الأُوْلى لِبيانِ كُفْرِهم فأَخَذَهمُ اللهُ بالعذابِ، أَمَّا الثانيَةُ فَهِيَ أَنَّ حالَ هؤلاءِ في تغييرِ النِعَمِ كَحالِ آلِ فِرْعَوْنَ والذينَ مِنْ قَبْلِهم. فالأوَّلُ للعادَةِ في التكذيبِ، والثاني للعادة في التَغييرِ. والأوَّلُ دَأْبٌ في أَنهم هَلَكوا لمَّا كَفَروا، وهذا دَأْبٌ في أَنْ اللهَ لمْ يُغيرْ نعمتَه عليهم حتى غَيَّروها هُم، والأَوَّلُ مُتَضَمِّنٌ ذِكْرَ إجْرامِهم، والثاني متضمِّنٌ ذِكْرَ إغْراقهم، وفي الأَوَّلى ما يَنْزِلُ بهم حالَ الموتِ مِنْ عقوبةٍ، وفي الثانيةِ ما يَحُلُّ بهم في الآخرة مِنْ عَذابٍ، وجاء في الأولى بآيات الله إشارةً إلى إنكارِ ذِكْر دلائلِ الإِلهيَّة. وجاء في الثانية بآياتِ ربِّهم إشارةً إلى إنكارهم مَنْ رَبَّاهم وأَحْسَنَ إليهم. ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكونَ الضَميرُ في "كفروا" في الآيةِ السابقةِ عائداً على قريش، وأنْ يكون الضميرُ هنا في "كذَّبوا" عائداً على آلِ فِرْعَوْنَ ومَنْ ذُكِرَ مَعَهم. وآلُ فرعونَ هم من اتبعوه على دينه من أقباطِ مصرَ فأهلكهمُ الله معه غرقاً في البحر، وقد تقدّم ذكرُ قصَّتهم في اسورَةِ الأعرافِ مفصّلة من الآية: 103 حتى الآية: 137.
قولُهُ: {كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ} وكما أَنَّ دَأْبَ هؤلاءِ الكُفّارِ في إنكارهِم آياتِ اللهِ وتَغييرِ نِعَمِهِ، كَدَأْبِ آلِ فِرْعونَ والذينَ مِنْ قَبْلِهم، فإنَّ دَأْبَهم أيْضاً الاسْتِمْرارُ على تكذيبِ رسولِ اللهِ، مِثْلَ آلِ فِرعوْنَ والذينَ مِنْ قَبْلِهم، ومِنْ ثمَّ كان الشبَهُ بَينَهُم في الكُفْرِ بالآياتِ وجُحودِ الرسالات، وفي الاسْتِمْرارِ على ذلك. لهذا أَخَذَ اللهُ الجميعَ بِذُنوبهم: أُولئكَ الأمم السابقة أخذهم بالصَواعِقِ والرياحِ ونحوِها، وآل فرعون بالغَرَقِ، وهؤلاءِ بالقتل والأسرِ وتجريعهم كأسَ ذُلِّ الهزيمةِ، وهم المحاربون الأشداء، فقد كانت الهزيمة عند العربي أَشَدُّ ما يبتلى به، فهي عار يُلاحِقُهُ طَوالَ حَياتِهِ، ويستمرُّ في ذرِّيَّته، فيُعيَّرونَ بها بعد مماته. ولذلك عاقبهم اللهُ بها، وكلُّ تِلكَ الأُمَمِ كانَتْ ظَالِمَةً، فاسْتَحَقّ الجميعُ ما نَزَلَ بهم مِنْ عقابٍ حِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ ورسالاته وحاربوا رُسُلَهُ والمؤمنين بهم، فأَهْلَكَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَجَرَائِمِهِمْ، وَتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَ رَبِّهِمْ وَآيَاتِهِ.
قولُهُ: {وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ} وكلُّ أُولئك الكَفَرَةِ كانوا ظالمين لأنفسهم أوَّلاً بأنْ أَوْرَدوها مَوارِدَ الهَلاك وعذّبوها بأنْ أبعدوها عن مولاها، وعرضوها لسخطه، وظلموا المؤمنين باللهِ ورُسُلِهِ حين عذبوهم وآذوهم وحاربوهم وحاولوا منعهم مِنَ الإيمانِ بربهم وسلوكِ سبيل محبته ورضوانه. وجزاءُ الظالمِ أَنْ يُعاقَبَ على ظُلْمِهِ، فكان ما كان جزاءً وِفاقاً لهم من ربهم ـ سبحانه وتعالى.
قولُهُ تَعالى: {كدأب آلِ فرعونَ والذين من قبلهم كذّبوا} كدأبِ: جارٌّ ومجرورٌ متعلِّقٌ بخبرٍ محذوفٍ لِمُبْتَدَأٍ محذوفٍ، والتقديرُ "دَأْبُ هؤلاءِ كائنٌ كَدَأْبِ آلِ فرعونَ". وهي جملةٌ استئنافيَّةٌ لا محلَّ لها من الإعراب. وجملةُ "كذَّبوا" تفسيرٌ للدَأْبِ، لا محَلَّ لها مِنَ الإعْرابِ.
قولُهُ: {وكُلٌّ كانوا} جملةٌ مَعطوفةٌ على الجملة الاسْتِئْنافِيَّةِ "دأبهم كدأْب" فلا محلَّ لها من الإعراب كذلك.
قولُهُ: {وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ} كُلٌّ" نُوِّنَ للتَعْويضِ عَنِ المُضافِ إليْهِ، أي: وكلُّ المذكورين، مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ والذينَ مِنْ قَبْلِهِم. وجُمِعَ الضَميرُ في "كانوا" وجُمِعَ في "ظالمين" مُراعاةً لمعنى "كُلٌّ"؛ لأنَّ "كلّ" مَتى قُطِعَتْ عَنِ الإِضافَةِ جازَ مُراعاةُ لَفْظِها تَارَةً ومَعناها أَخْرى، وإنَّما اخْتِيرَ ضميرُ الجمعِ هُنا مُراعاةً للمَعنى لأَجْلِ الفَواصِلِ، فلو رُوعِيَ اللفظُ فَقيلَ مَثلاً: وكلٌّ كانَ ظالماً لم تتَّفِقْ الفَواصِلُ، فإنَّ الفاصلةَ التي قَبْلَها هي "عَليم" وبعدَها "يؤمنون" فجاءتْ هنا "ظالمين" متَّسقةً مع ما قبلها وما بعدها مما يشكِّلُ جَرْساً يَشُدُّ السامِعَ وتَسْتَسيغُهُ أذنُه وتَرْتاحُ إليه نَفْسُهُ، وهذِهِ إحْدى مِِيزاتِ هذا الكتابِ الكَريم.
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
(55)
قولُه ـ تباركت أسماؤه: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا} بَعدَ أنْ شَرَحَ ـ سبحانهُ، في الآيات السابقةِ أَحوالَ المُهْلَكين مِنْ شِرارِ الكَفَرةِ، شَرَع هنا في بَيانِ أَحْوالِ الباقين مِنْهُمْ وتَفْصيلِ أَحْكامِهم، و "الدَوابُّ" كلُّ ما يَدُبُّ على الأَرْضِ، جمعٌ مفردُه: دابَّةٌ. قال تعالى في سورة النور: {والله خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي على رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على أَرْبَعٍ} الآية: 45. وإطلاقُ الدابَّةِ على الإِنْسانِ حقيقيٌّ، لأنَّها تُطلَقُ على كلِّ حَيَوانٍ ولو أَدَمِيّاً. فالدابَّةُ كُلُّ حَيوانٍ في الأرضِ مميِّزاً وغَيرَ مميزٍ. وشَرَّ هذه المَخْلُوقَاتِ التِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ، منزلةً عِنْدَ اللهِ فِي مقتضى حُكْمِهِ وَعَدْلِهِ، هُمُ الكَافِرُونَ. وفي وصفِهم بأنَّهمْ شَرُّ الدَوابِّ لا شَرّ النّاسِ، إِشعارٌ بأنَّهم بِمَعْزِلٍ عَمّا يَتَحَلّى بِهِ النّاسُ مِنْ تَعَقُّلٍ وتَدَبُّرٍ للأُمورِ، لأنَّ لَفْظَ الدَوابِّ ـ وإنْ كانَ يُطْلَقُ على الناسِ، إلاَّ أَنَّه عِندَ إطْلاقِهِ يُلْقى في مخيِّلةِ السامعِ ظِلاً خاصّاً يجعلها تَتَّجِهُ إلى الدَوَابِّ التي لا عقلَ لها. والإنسانَ هوَ الوحيدُ مِنْ بَيْنِ المَخْلُوقات التي تدبُّ على هذه الأرض، الذي لَهُ ما ليسَ لها من عقلٍ يُبَصِّرُها الأُمورَ وعَواقِبَها، وإنَّما تُحَرِّكُها غَرائزُها. وهؤلاءِ الكُفَّارُ قَدْ عَمِلوا بما تُمْليهِ عَليهِمْ غَرائِزُهم، وتَرَكوا العقل الذي أكرمهم الله به جانباً، قلم يستعملوه في مجالِ اسْتِجْلاءِ حقائقِ الكونِ والتَبَصُّرِ في عَواقبِ الأمورِ، بَلْ اسْتَعْملوهُ في ابْتِداعِ أَنْواعِ الأَذى، واسْتِجلاء دروبِ الشِرْك وحُجَجِ سلوكها. لذلك كانوا شرَّ هذِهِ الدَوابِّ وأَسْوَأَ تِلْكَ المَخْلوقاتِ التي لا تعقل. ونظيرُ هذه الآيةِ ما سبق في هذه السورة من قوله: {إنَّ شرَّ الدوابِّ عندَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ} الأنفال: 22.
قولُهُ: {فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} فهم لا يؤمنون رغم أنهم أُوتوا العقلَ الذي يوصلهم إلى ذلك، فلم يستعملوا عقولهم في معرفة الحقائق الإيمانية والتوصُّلِ إلى معرفة الله تعالى وعبادته وهي الوظيفةُ الأساسيةُ التي خلقَ اللهُ العقل من أجلها، بَلْ بالعَكْسِ فقد وَقَفَتْ نَزَواتُهم وغرائزُهُمُ الحَيَوانيَّةُ وشَهواتُهم في الطريق القويم لهذا العَقْلِ فحجبته عنه، ووَجَّهَتْهُ إلى غيرِ ما خُلِقَ لَهُ. ولذلك وَصَفَهم أَيْضاً في سُورةِ الفُرقانِ فقال: {إِنْ هُمْ إِلاَّ كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ} الآيةُ: 44. فحَكَمَ عليهم بِأَنَّ الأَنْعامَ أَهْدى سبيلاً مِنْهم، لأنَّها، وإنْ كانت تتحركُ بدوافعَ غَريزيَّةٍ إلاَّ أَنَّها، بِفِطْرَتِها، مُقرَّةٌ لله تعالى بالربوبيَّةِ مسَبِّحةٌ لَهُ، قال تعالى في سورةِ الإسراءِ: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} الآية: 44.
وجاءَ في سَبَبِ نُزولِ هذِهِ الآيةِ الكَريمَةِ ما أَخْرَجَه أَبو الشَيْخِ عنْ سَعيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قال: نَزَلَتْ: "إنَّ شَرَّ الدَوابِّ عِنْدَ اللهِ الذين كفروا فهم لا يؤمنون" في سِتَةِ رَهْطٍ مِنَ اليَهودِ مِنْهُم ابْنُ تابوت.
قولُهُ تعالى: { إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا} الظرف "عند" متعلِّقٌ ب "شَرَّ"، و "الذين" خبرُ "إنَّ" و "شرَّ" اسمُها، وجملة "كفروا" لا محَلَّ لها.
قولُهُ: {فهم لا يؤمنون} الفاءُ للتَنْبيهُ، و "هم" مبتدأٌ خبرُهُ "لا يؤمنون" وجملَةٌ " فهم لا يؤمنون " مَعْطوفَةٌ على جُمْلَةِ الصِلَةِ.
الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ (56)
قولُهُ ـ تعالى شأنُهُ: {الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ} هُمُ اليَهودُ بنو إسرائيلَ الذِينَ مِنْ شأنِهم نَقْضُ العُهودُ، وهذا دَيْدَنُهم مُذْ عُرفوا، فَلا عهدَّ لهم ولا مِيثاقَ، هُمْ مَعَ العَهْدِ والميثاقِ طالما كانوا ضعفاءَ غيرُ قادرينَ على نقضِهِ وكانَ في العهدِ مصلحةٌ لهم، فإذا آنَسُوا مِنْ نَفْسِهم قُوَّةً، ورأوا أنْ لا مصلحةَ لهم بالعهدِ نَقَضُوه، ولا عَجَبَ! فمَنْ كان هذا شأنه مع عهودِ اللهِ ليس بِدْعاًً إذا ما استخفَّ بعهدِه لغيرِهِ، وقد وصفهم ربُّهم بهذا في سورة البقرة فقال: {أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} الآية: 100. فهم يَعْبُدون مَصالِحَهَم ولا يعبدونَ ربَّهم ومولاهم، وهذا دَيْدَنُهم. فكانوا كُلَّمَا عَاهُدُوا عَهْداً نَقَضُوهُ، وَكُلَّمَا أَكَّدُوه بِالأَيْمَانِ نَكَثُوهُ، وَهُمْ لاَ يَخَافُونَ عِقَابَ اللهِ عَلَى شَيءٍ مِنَ الآثَامِ ارْتَكَبُوهُ.
قولُهُ: {وهم لا يتقون} شُؤْمَ الغَدْرِ وعاقبتَه وتَبِعاتِهِ وما يجُرُّهُ عليهم في الدنيا مِنْ وَيْلاتٍ التي كان منها القتلُ والسبيُ، وْلا يخافونَ اللهَ ونُصْرَتَهُ للمُؤمنين عليهم وتَسْلِيطَهُ، وهذا عاجلُ العقوبةِ، أمّا آجلُها فسَيَكونُ أَدهى وأَمرّ، لأَنَّ نَارَ حِقْدِهِمْ أَعْمَتْهُم عَنْ رُؤْيَةِ ما فيهِ مَصْلَحَتُهم الحقيقيَّةِ في الدُنيا والآخِرَةِ.
وقد نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي نَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ، هُمْ بَنُوا قُرَيْظةَ وزَعِيمِهِمْ كَعْبِ بْنِ الأَََشْرَفِ، وَهُوَ مِنْ طَوَاغِيتِ الكُفْرِ وَالكُرْهِ لِلإِسْلاَمِ ونبيِّه. وَكَانَ الرَّسُولُ ـ صلى الله عليه وسلَّمَ، حِينَ هِاجَرَ إلَى المَدِينَةِ، عَقَدَ مَعَ اليَهُودِ عُقُوداً، أَمَّنَهُمْ فِيهَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَدِينِهِمْ، على ألاّ يتعرضوا للمسلمين بأَذَى ولا يعينُ عِليهم عدواً، فَنَقَضُوا هَذِهِ العُهُودَ، وَتَآمَرُوا عَلَى الرَّسُولِ وَالمُسْلِمِينَ. فأَعانوا المُشْرِكين بالسِلاحِ يومَ أُحُدٍ، وقالوا: نَسِينا، ثمَّ عاهَدَهم ثانيةً فَنَكَثوا وتَآمَروا عليه مع مشركي قريش يومَ الخَندقِ، ورَكِبَ كَعْبُ بْنُ الأَشْرَفِ في مَلأٍ مِنْ قومِهِ إلى مَكَّةَ، فحالَفُوا المُشْرِكين عَلى حَرْبِِهِ ـ صَلَّى اللهُ علَيْهِ وَسَلَّمَ، ، فخَرَجَ إليهم النبيُّ وصَحْبُهُ، فقَتَلَوا مُقاتِلَتَهم وسَبوا ذَراريهم.
أَخْرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أَبي حاتمٍ، وأَبو الشَيْخِ، عنْ مُجاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في قولِهِ تعالى: {الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم} قال: هم يهودُ بني قُرَيْظَةَ الذين مالؤوا على مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، أَعْداءَهُ يومَ غزوة الخندقِ. وكانوا قد أعانوهم على المسلمين بالسلاح يومَ غزوة أحدٍ كما تقدَّم.
قولُهُ تَعالى: {الذين عَاهَدْتَّ منهم} مَرْفوعٌ إمّا عَلى البَدَلِ مِنَ المَوْصولِ قَبْلَهُ، أوْ عَلى النَعْتِ لَهُ، أَوْ على عَطْفِ البَيانِ، أَوِ مرفوعٌ على الابْتِداءِ، وخبرُهُ قَوْلُهُ: {فإمَّا تَثْقَفَنَّ} بمعنى: مَنْ تَعاهِدُ مِنْهم، أَيْ مِنَ الكُفارِ، ثمَّ يَنْقُضونَ عَهْدَهُمْ، فإنْ ظَفِرْتَ بِهِمْ فاصْنَعْ كيْتَ وكَيْتَ، فَدَخَلَتِ الفاءُ في الخَبرِ لِشِبَهِ المُبْتَدَأِ بالشَرْطِ، ويجوزُ أَنْ يكونَ مَنْصوباً على الذَمِّ. و يجوزُ أَنْ يَكونَ "منهم" حالاً مِنْ عائدِ المَوصولِ المحذوفِ والتقديرُ: الذين عاهدتَهم كائنين مِنهم، فإنَّ "مِنْ" للتَبْعيضِ. وفيها ثلاثةُ أَقوالٍ أُخرى، فقيلَ: هيَ بمَعنى "مَع". وقيلَ: الكلامُ محمولٌ على مَعْناه، أَيْ: الذين أَخَذْتَ مِنْهُمُ العَهْدَ. وقيل: "من" زائدةٌ، أي: عاهَدْتَهم. لكنَّ هذِهِ الأَقْوالُ الثَلاثةُ ضَعيفَةٌ والأَوَّلُ أَصَحُّ.
فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ
(57)
قوله ـ تعالى شأنُه: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ} يأمُرُ اللهُ تعالى رسولَهُ ـ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أنْ يُؤدِّبَ الكُفّارَ جميعاً بِمَنْ يَقَعُ في قَبْضَتِهِ مِنْهُمْ، وأَنْ يُخَوِّفَ الجَميعَ بِمَنْ يَظْفَرُ بِهِ، حتى يَعْتَبَرُوا ويَرْتَدِعوا ويَرْجِعوا عَنْ كُفْرِهم، ويَكُفوا عَنْ عدائهم لِدينِ الإِسْلامِ ونَبِيِّهِ وإيذاءِ المسلمين، وذلك بما يَرَوْنَه أَوْ يَسْمَعونَ بِهِ مِنْ نَكالٍ حَلَّ بِغَيرِهِم، وهِيَ في الحقيقةِ الغايَةُ مِنِ اسْتِخْدامِ القُوَّةِ وسيلةً، واتخاذ الشدَّة سبيلاً، حيثُ لا تَنْفَعُ الحُجَّةُ والبرهانُ لا يجدي المَنْطِقُ. فالمَقصودُ مِنَ التَنْكيلِ بهم، زَجْرُ مَنْ سِواهم، ولأجْلِ ذلك شُرِعَتِ العُقوباتُ، ولأَجْلِهِ أَمَرَ الصِدِّيقُ ـ رضي اللهُ عَنْهُ، بالتَنْكيلِ بِأَهْلِ الرِدَّةِ، الذين خرجوا في وجه المسلمين بعد آنْ آمَنوا كبني حنيفةَ وغيرهم. وهذا قَريبٌ في الغايَةِ مَنْ قولِِهِ بعدَ ذلك في هذه السورةِ المباركة: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُم} الآية: 60. فالإسلامُ دينُ الهُدى والمَحجَّةِ، دِينُ العَقلِ والمَنْطِقِ، وليسَ دِينَ القَتْلِ وإِزْهاقِ الأَرْواحِ والأنفُسِ، والاعْتِداءِ على الحُرِّيّاتِ والمُمْتَلَكاتِ، وإنَّما شَرَعَ الجهادَ واسْتِخْدامَ القُوَّةِ للرَدْعِ والتَخْويفِ حِفاظاً على هَذِهِ المُقَدَّساتِ. ولذلكَ عِنْدَما جاءَ جِِبْريلُ ومَعَهُ المَلَكُ الموكَّلُ بالجِبالِ ـ عَليهِما السَّلامُ، إلى الرسولِ ـ صَلى اللهُ عليه وسلَّم، مُرْسَلَينِ مِنْ ربِّ العِزَّةِ فاطِرِ الأََرْض والسماواتِ لِيكونا تحتَ تَصَرُّفِ نبيِّه فيما إذا أَحَبَّ أَنْ يَنْتَقم مِنَ الذين كَذََّبوهُ، وآذوهُ وعذَّبوه، لم يَطلبْ مِنْهُما ذَلِكَ، وإنَّما طَلَبَ إمْهالَ هَؤلاءِ المشركين لَعَلَّهم أنْ يَتُوبوا إلى اللهِ تعالى، أَوْ لَعَلَّهُ أَنْ يَكونَ مِنْ أَصْلابهم وذَراريهم مَنْ يُوَحِّدُ مولاهُ، ويعبُدُهُ ويَهتدي بهداه، فيَنْتََفِعُ ويَنْفَعُ بِهِ اللهُ. وقَدْ كانَ ما أمّلَهُ ورَجَاه، فإنَّ هذِهِ الأَجْيالَ من أبناء أولئكَ الذين كذَبوه وعذَّبوه، قدِ اهْتَدَتْ إلى الحقِّ فنجَتْ مِنْ عذابِ اللهِِ تَعالى، ثمَّ حملتهُ رسالةً طافت بها على العالمِِ كُلِّهِ فَنَفَعَ اللهُ بهم الكَثيرينَ، واهتدى خلقٌ كثيرٌ إلى على أَيديهم إلى هذا الدين. ولو أنَّه ـ صلّى اللهُ عليه وسلّمَ، دعا عليهم وانتقم منهم، لما انتشر نور الإسلامِ فعمَّ أصقاع الأرض، فسبحانَ منْ أرسله رحمةً للعالمين، صلواتُ الله وسلامُهُ عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وعلى من تبعهم واهْتَدَى بهَدْيِهم إلى يومِ الدين.
أخرج البخاريُّ وغيرُهُ من أئمّةِ الحديث، عَنْ أُمِّ المؤمنين السيدةِ عائشةَ الصدّيقةِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْها وأَرْضاها: أَنّها قالتْ للنَبيِّ ـ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسَلَّمَ: هَلْ أتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ قَالَ: ((لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ، وَكَانَ أَشَدُّ مَا لَقيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيْلَ بْنِ عَبْدِ كُلاَلٍ، فَلَمْ يُجِِبْني إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أسْتَفِقْ إِلاَّ وأنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ (1)، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، وَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإذَا فِيهَا جِبريلُ ـ عليه السلامُ، فَنَادَاني، فَقَالَ: إنَّ الله تَعَالَى قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَد بَعَثَ إلَيْكَ مَلَكَ الجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بمَا شِئْتَ فِيهِمْ. فَنَادَانِي مَلَكُ الجِبَالِ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَأَنا مَلَكُ الجِبال، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبِّي إلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ بمَا شِئْتَ، فإنْ شئْتَ أطْبَقْتُ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ. (2) فَقَالَ النبيُّ ـ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ((بَلْ أرْجُو أنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً)). متَّفَقٌ عَلَيْهِ. أخْرَجَهُ: البُخارِيُّ: 4/139 (3231)، ومسلم: 5/181 (1795) (111).
(1) قَرْنُ الثَعالِبِ: اسمُ لمكانٍ يَقَعُ على مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ، ـ حرسَها اللهُ، وهو مِِيقاتُ أَهْلِ نَجْدٍ، ويُسَمَّى أَيْضاً قَرْنَ المَنازِلِ.
(2) الأخْشَبين: مثنّى أَخْشَبٍ، والأخشبُ هو كُلُّ جَبَلٍ خَشِنٍ غَلِيظِ الحِجَارَةِ.
و "تَثْقَفَنَّهم" تُدْرِكُهم، أو تَتَمَكَّنُ مِنْهم، أَوْ تَأْخُذُهم بِسُرْعَةٍ، أو تَظْفرُ منهم بالمطلوب، وكُلُّ هذه المعاني مناسبةٌ هنا. والثِقافُ في اللُّغَةِ ما تُشَدُّ بِهِ القَنَاةُ ونحوُها، ومِنْهُ قوْلُ الشَاعِر الطَريفِ العَنْبَريِّ:
إنَّ قَناتي لَنَبْعٌ ما يُؤَيِّسُها ............... عَضُّ الثَقافِ ولا دُهْنٌ ولا نَارُ
وقال النابغةُ الذُبْيانيُّ:
تدعو قُعَيْناً وقَدْ عَضَّ الحديدُ بها ...... عَضَّ الثِقافِ على صُمِّ الأَنابيبِ
قولُهُ: {فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ} أيْ: فَرِّقْهُم عَنَّكَ وخَوِّفهم منكَ، حتى لا يجتمعوا على حربِكَ وحَرْبِ دِينِك. والتَشْريدُ في اللُّغةِ: الطَرْدُ والتَفْريقُ والتهجيرُ القَسْرِيُّ والتَخْويفُ والتَسْميعُ، وكلُّ هذه المَعاني لائقةٌ بهذه الآيَةِ. وممَّا جاءَ مِنَ التَشْريدِ بمَعْنى التَسْميعِ قولُ شاعرٍ مِنْ هُذَيْلٍ:
أُطَوِّفُ بالأَباطِحِ كُلَّ يَوْمٍ .................. مَخَافَةَ أَن يُشَرِّدَ بي حَكِيمُ
فيشرِّدُ بي أَيْ: يُسَمِّع بي، ويَفْضَحُني. وحَكِيم: رَجُلٌ مِنْ بَني سُلَيْمٍ، كانَتْ قُرَيشٌ قد وَلَّتْهُ الأَخْذَ على أَيدِي السُّفَهَاءِ وعهدتْ له بذلك. وأَخرجَ ابْنُ أَبي حاتمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، قَوْلُهُ: "فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ"، يَقُولُ: نَكِّلْ بِهِمْ". وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ، وَالضَّحَّاكِ، وَالسُّدِّيِّ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ، مِثْلُ ذَلِكَ. وأخرج كذلك عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَوْلُهُ: "فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ"، يَقُولُ: أَنْذِرْ بِهِمْ". وأخرج أيضاً عَنْ قَتَادَةَ ـ رضي اللهُ عنه: "فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ"، يَقُولُ: عِظْ بِهِمْ. أَخرَجَ عن ابْنِ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ، "فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ"، قَالَ: أَخِفْهُمْ بِهِمْ، كَمَا تَصْنَعُ بِهَؤُلاءِ. وأخرج عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، "فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ"، يَقُولُ: نَكِّلْ بِهِمْ مَنْ وَرَاءَهُمْ، يَعْنِي: الْعَرَبَ كُلَّهَا.
قولُه: {لعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} لعلَّ خوفَ أنْ يحلَّ بهم ما حلَّ بهؤلاء يكونُ حاضراً دائماً في ذاكرتهم، ما ثلاً أمامَ أعينهم، فلا يجرؤونَ على خيانتك والغدر بك وبالمؤمنين.
قولُهُ تعالى: {فإمَّا تثقفنَّهم في الحربِ} فإمَّا: الفاءُ عَاطفةٌ، "إما" مُؤَلَّفَة مِنْ "إنْ" الشَرْطِيَّةِ، و "ما" الزائدة، و "تثقفنَّهم" فعلٌ مُضارعٌ مَبْنِيٌّ على الفَتْحِ لاتِّصالِهِ بِنُونِ التوكيدِ في محَلِّ جَزْمٍ، وفاعله أنتَ، ومفعولُهُ الهاءُ، والميم لجمع المذكَّر. والجُمْلةُ مَعْطوفَةٌ على قولِهِ تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدوابِّ}، الآية: 55. من هذه السورة. و "في الحرب" جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ ب "تثقفنَّهم".
قولُهُ: {فشرِّدْ بهم مَنْ خلفهم} الفاء رابطة لجَوابِ الشرطِ: "شرِّدْ"، و "بهم" جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِ "شَرِّدْ" و "مَن" اسم موصولٌ في محلِّ نصبٍ على المفعوليَّة، "خلفَهم" ظَرْفُ مكانٍ مُتَعَلِّقٌ بالصِلَةِ المُقَدَّرِةِ بَعْدَ الاسْمِ المَوصولِ.
قولُهُ: {لعلَّهم يَذَّكَّرون} لعلَّهم: حرف ناسخ مشبَّه بالفعلِ واسمه، و جملة "يَذَّكَّرون" خبرُه. و "لعلَّ" واسمُها وخبرها مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها.
وقد جاءَ الشَرْطُ بِحَرْفِ "إنَّ" مَزيدَةً بعدَها "ما" لإفادَةِ تَأكيدِ وُقوعِ الشَرْطِ، وبذلك تَنْسَلِخُ "إنَّ" عَنِ الإشعارِ بِعَدَمِ الجَزْمِ بِوُقوعِ الشَرْطِ، وزِيدَ التَأكيدُ باجْتِلابِ نُونِ التَوكيدِ. وفي "شَرْحِ الرضي على الحاجبية"، عن بعض النحاة: لا يجيء "إما" إلاَّ بِنُونِ التَأْكيدِ بَعْدَهُ كَقولِهِ تعالى في سورة مريم: {فَإِمَّا تَرَيِنَّ} الآية: 26. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في قولِهِ: "فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ" دَخَلَتِ النُونُ مَعَ "إما": إمَّا للتَأْكيدِ أَوْ للفَرْقِ بَيْنَها وبين "إما" التي هِيَ حرفُ انْفِصالٍ في قولِكَ: جاءني إمَّا زَيْدٌ وإمَّا عَمْرٌو.
فإن" حرف شرط يدل على ارتباط جملتين بعضهم ببعض ، و "ما" حرف زائد للدلالة على تأكيد هذا الارتباط في كل حال من الأحوال. و مثالُه من الشعر قولُ البُحتري:
وإذا ما جفيت كنت حريا ........... أن أرى غير مصبح حيث أمسي
وقولُ البارودي في وصف بعض مظاهر شيخوخته من ضعف بصره و ثقل سمعه:
لا أرى الشيء حين يسنح إلا ............... كخيال كأنني في ضباب
و إذا ما دعيت حرت كأني ........... أسمع الصوت من وراء حجاب
فما قد زيدت بعد "إذا" في المثالين السابقين لتأكيد معنى هذا الظرف.
و مثاله من سائر الكلام: "غضبت من غير ما جُرمٍ" أيْ: مِنْ غيرِ جُرْمٍ، و "جِئتُ لأمرٍ مَا" ف "ما" زائدةٌ للتَأَكيدِ، والمعنى على النفي "ما جئت إلاَّ لأمر".
و "لا" تزاد مؤكدة ملغاة نحو قوله تعالى: {لئلاّ يَعلم أهل الكتاب ألا يَقدرون على شيءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ}. ف "لا" زائدة، والمعنى {ليعلم أهلُ الكتاب ...}، ونحو قولِهِ تَعالى: {فلا أقسم بمواقع النجوم} ف "لا" زائدة، والمعنى فأُقسِمُ بمواقع النجوم.
و "من" قد تزاد توكيداً لِعُمومِ ما بعدَها في نحو "ما جاءنا من أحدٍ" فإذاً أَحداً صِيغةُ عُمومٍ، بمعنى ما جاني أيُّ أَحَدٍ. و لا تكون "من" زائدة للعموم إلا إذا تقدَّمَها نَفْيٌ أَوْ نَهْيٌ أوِ اسْتِفْهامٌ ب "هل"، فالنَفيُ نحو قولِهِ تَعالى: {وما تسقط من ورقة إلاَّ يعلمها} وقوله تعالى: {ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت} والنهى نحو "لا تُهْمِلْ مِنْ غِذاءِ عقلِكَ" والاستفهام، نحو قولِهِ تعالى: {هل تَرَى مِنْ فُطُور؟} ونحوَ هل مِنْ شاعِرٍ بَيْنَكم؟، و "من" هذه التي تزيد توكيداً لعمومِ ما بَعْدَهَا نَفْياً كانَ أوْ نَهْياً أوِ اسْتِفهاماً يكون الاسْمُ الواقع بعدَها إمَّا فاعلاً أَوْ مفعولاً أوْ مُبْتَدَأً كما في الأمثلة السابقة.
وقال البصريّونَ دَخَلَتْ النونُ توكيداً لمّا دَخَلَتْ "ما". وقالَ الكُوفِيُّونَ: تَدْخُلُ النُون الثَقيلةُ والخفيفةُ مَعَ "إِمَّا" في المجازاةِ للفَرْقِ بَينَ المُجازاةِ والتَخْييرِ.
قولُهُ: {فَشَرِّدْ بِهِم مَنْ خَلْفَهم} الباءُ للسَبَبِيَّةِ، "مَنْ خَلْفَهم" مفعولُ "شَرِّدْ". والضَميران في "لعلهم يَذَّكَّرون" الظاهِرُ عَوْدُهُما على "مَنْ خَلْفَهم"، أَيْ: إذا رَأَوا ما حَلَّ بالناقِضين تَذَكَّروا. وقيلَ: يَعودان على المُنْقِضين، وليس لَهُ معنى طائلٌ.
قَرَأَ العامَّةُ {فشرّد} بالدّالِ المُهْمَلَةِ. وقرأ الأعمش ـ بخلافٍ عنه، بالذّالِ المُعْجَمَةِ. قال الشيخُ أَبو حَيَّان الأَنْدَلُسِيُّ: وكذا هي في مُصْحَفِ عبدِ اللهِ بْنِ مَسْعودٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. لكِنَّ المعلومَ أَنَّ النَّقْطَ والشَّكْلَ أَحْدَثَهُما فيما بعدُ يحيى بْنُ يَعْمُرَ، فَكَيْفَ يُوْجَدُ ذلك في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعودٍ؟ إلاَّ أَنْ يَكونَ المقصود أَنَّه قد أُخِذَ ذَلكَ عَنْهُ قِراءَةً بالسَمَاعِ! وهو كذَلِكَ. وهَذِه المادَّةُ (الشين والراءُ والذالُ المُعْجَمَةُ) مُهْمَلَةٌ في لُغْةِ العرب. وفي هذِه القراءةِ أَوْجُهٌ أحدُها: أَنَّ الذالَ بَدَلٌ مِنْ مُجاوِرَتِها الدَّال، كما في قولهم: لَحْمٌ خَراديلٌ، وخَراذيلٌ. كما في قولِ كعبٍ بْنِ زهير:
يَعْدُو فيَلْحَمُ ضِرْغامَيْنِ عَيْشُهُما ........ لَحْمٌ مِنَ القومِ مَعْفُورٌ خَراذِيلُ
المَعْفورُ المُترَّبُ المُعَفَّرُ بالترابِ، والخراذيلُ: المصروع، أيْ صيدٌ مصروعٌ معفَّرٌ بالتراب.
الثاني: أَنَّه مقلوبٌ مِنْ شَذَرَ في قولِهم: تَفَرَّقوا شَذَرَ مَذَرَ، ومِنْهُ الشَّذْرُ المُلْتَقَطُ مِنَ المَعْدِنِ لِتَفَرُّقِهِ، قال امرؤُ القيس:
غرائِرُ في كِنٍّ وصَوْنٍ ونَعْمة ............... يُحَلَّيْنَ ياقوتاً وشَذْراً مُفَقَّرا
الثالث: أَنَّهُ مِنْ (شَذَرَ في مقالِهِ) إذا أَكْثَرَ فِيهِ وفرَّقَهُ لأنَّ المرء إذا أكثر القولَ فلا بُدَّ أنْ يتناولَ موضوعاتٍ شتّى. والشَرذُ: بالذالِ: التَنْكِيلُ، وبالدالِ التفريقُ، فَهذِهِ المادةُ ثابِتَةٌ في لُغَةِ العَرَبِ.
وقرأ العامَّةُ: {مَنْ خلفهم} بفتح الميم. وقرأ الأعمش ـ بخلافٍ عنه، وأَبو حَيَوَةَ: "مِنْ خلفِهم" بكسرها، جاراً ومجروراً. والمفعولُ على هذِهِ القِراءةِ محذوفٌ، أَيْ: فَشَرِّدْ أَمْثالَهم مِنَ الأَعْداءِ أَوْ ناساً يَعْمَلُون بِعَمَلِهم.







التوقيع

أنا روحٌ تضمُّ الكونَ حُبّاً = وتُطلقُهُ فيزدهر الوُجودُ
رد مع اقتباس
إضافة رد

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
الأعضاء الذين قرأو الموضوع :- 1
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الموسوعة القرآني فيض العليم من معاني الذكر الحكيم سورة الأنفال الآية: 69 ـ 75 عبد القادر الأسود الإسلام و الحياة و الأدب الإسلامي 0 09-09-2015 08:40 AM
الموسوعة القرآني فيض العليم من معاني الذكر الحكيم سورة الأنفال الآية: 58 ـ 68 عبد القادر الأسود الإسلام و الحياة و الأدب الإسلامي 0 09-09-2015 08:35 AM
فيض العليم ... سورة الأنفال، الآية: 32 عبد القادر الأسود الإسلام و الحياة و الأدب الإسلامي 0 02-07-2015 07:08 AM
فيض العليم ... سورة الأنفال، الآية: 26 عبد القادر الأسود الإسلام و الحياة و الأدب الإسلامي 0 02-02-2015 07:30 PM
فيض العليم من معاني الذكر الحكيم، سورة النساء، الآية: 77 عبد القادر الأسود الإسلام و الحياة و الأدب الإسلامي 3 07-13-2013 04:52 PM


Loading...


:: الإعلانات النصيه ::

روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه
روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه
روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه
روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه
روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.

Security by AOLO
vEhdaa4.0 by vAnDa ©2010