آخر 10 مشاركات
خربشات على الماء (الكاتـب : - مشاركات : 590 - المشاهدات : 35388 - الوقت: 08:21 PM - التاريخ: 06-23-2019)           »          سجل حكمتك لهذا اليوم (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 4955 - المشاهدات : 118626 - الوقت: 06:40 PM - التاريخ: 06-23-2019)           »          ما بيني وبيني (الكاتـب : - مشاركات : 35 - المشاهدات : 2979 - الوقت: 11:26 AM - التاريخ: 06-23-2019)           »          وَادِي الْقُـرَى (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 3 - المشاهدات : 77 - الوقت: 08:35 PM - التاريخ: 06-22-2019)           »          ثمار الخريف (الكاتـب : - مشاركات : 19 - المشاهدات : 257 - الوقت: 08:27 PM - التاريخ: 06-22-2019)           »          (عجبي) (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 5 - المشاهدات : 102 - الوقت: 07:49 PM - التاريخ: 06-22-2019)           »          عمل الفتيان! (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 33 - الوقت: 09:48 AM - التاريخ: 06-22-2019)           »          أطل هلالك (الكاتـب : - مشاركات : 10 - المشاهدات : 183 - الوقت: 12:23 AM - التاريخ: 06-22-2019)           »          ما قلّ ودلّ (الكاتـب : - مشاركات : 4 - المشاهدات : 158 - الوقت: 10:13 PM - التاريخ: 06-21-2019)           »          (( .. سبيلُ الهداية ..)) (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 11 - المشاهدات : 256 - الوقت: 10:13 PM - التاريخ: 06-21-2019)




التراب/م ع الرباوي

قناديل الشعر العمودي و التفعيلي


إضافة رد
قديم 04-29-2019, 10:27 AM رقم المشاركة : 11
معلومات العضو
أديبة و شاعرة

الصورة الرمزية جهاد بدران
إحصائية العضو







جهاد بدران is on a distinguished road

جهاد بدران متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : محمد علي الرباوي المنتدى : قناديل الشعر العمودي و التفعيلي
افتراضي رد: التراب/م ع الرباوي

اقتباس : المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد علي الرباوي [ مشاهدة المشاركة ]
الــتــــــــــراب

يَمْتَطِينِي الْحُزْنُ. أَسْتَلْقِي عَلَى نَفْسِي

رُكَاماً مِنْ تُرَابْ

هَزَّ جِذْعِي الْخَوْفُ هَزًّا فَتَسَاقَطْتُ نَخِيلاً

بَلَعَتْ جُمَّارَهُ الأَرْضُ اليَبَابْ

هَلْ أَنَا حَيٌّ أَمَ ï*گنِّي جُثَّةٌ

أَثْقَلََهَا حَرُّ العَذَابْ

كَيْفَ لِي أَنْ أَلْحَقَ اليَوْمَ بِعُصْفُورِ الفَيَافِي

وَلَهِيبُ النَّفْسِ بِي يَمْخُرُ أَدْغَالَ السَّحَابْ

مَرْكَبِي شَقَّ البِحَارَ السَّبْعَ

لَكِنَّ الرِّيَاحَ الْهُوجَ لَيْلاً سَلَبَتْنِي كُلَّ زَادِي

مَا أَشَقَّ الرِّحْلَةَ اليَوْمَ وَلاَ زَادَ بِجَوْفِي !

أَيُّهَا الْمَرْكَبُ هَلْ تَسْطِيعُ أَنْ تَعْبُرَنِي

إِنِّي تُرَابٌ فِي تُرَابٍ فِي تُرَابْ...

وجدة: 30/10/1994

ما أجمل هذه اللوحة الإبداعية التي أتت على الجمال وحملت معها فلسفة فكرية جادت بعناصر التدبر وحلقنا معها في أفق خيالي أعادنا لأنفسنا في وعي جديد وتفكير مختلف..
هذه اللوحة وباقي لوحات أستاذنا الكبير الرباوي..تعتبر فناً عظيماً في توجيه الإنسان للإنسان..فن تعبيري تأملي يأتي بالفكر العميق ويربطه في فلسفة تخوض غمار النفس وتنقّب عن حاجة الفرد لمعرفة أسرار الذات والعمل على تطهيرها وإعادة مسارها وفق الزاد الإيماني المشحون بالخشية من الله للعبور من دنيا فانية لدار الخلد والآخرة..
الحروف هنا جاءت كعملية تربوية لإعادة النظر في مسيرة الإنسان منذ خلقه وحتى يواريه التراب..
حروف مجبولة بصيغة متقنة هدفها عملية التنقيب عن تجاويفها التعليمية وما نتج عنها من دروس وعبر...
هكذا هي الحروف العملاقة التي تحمل سجايا فلسفية تعيد للفكر ثمرته وللتدبر عظته..
.
شاعرنا الكبير الراقي
أ.محمد الرباوي البارع في تجنيد حروفه وفق منظومة تعتمد على التفكير والتدبر وكشف حقيقة الوجود للتقرب من الله تعالى..
شكراً لأنكم هنا نرتوي من فكركم ونتحسس علمكم الوارف الغني باستخراج درر الحياة بثوب النقاء والطهر..
يسعدني أن أكون طيفاً أغرف من بحر علمكم وفكركم وأنال شرف القراءة لكم..
قراءة أولى ولي عودة بإذن الله تعالى
وفقكم الله لنوره ورضاه وأسعدكم في الدنيا والآخرة..وزادكم بسطة من العلم والنور والخير الكثير...
.
.
جهاد بدران
فلسطينية






التوقيع




( عذراً .. ليس لي حساب على الفيس بوك )

رد مع اقتباس
قديم 05-22-2019, 10:30 PM رقم المشاركة : 12
معلومات العضو
أديبة و شاعرة

الصورة الرمزية جهاد بدران
إحصائية العضو







جهاد بدران is on a distinguished road

جهاد بدران متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : محمد علي الرباوي المنتدى : قناديل الشعر العمودي و التفعيلي
افتراضي رد: التراب/م ع الرباوي

QUOTE=محمد علي الرباوي;701923]الــتــــــــــراب
يَمْتَطِينِي الْحُزْنُ. أَسْتَلْقِي عَلَى نَفْسِي

رُكَاماً مِنْ تُرَابْ

هَزَّ جِذْعِي الْخَوْفُ هَزًّا فَتَسَاقَطْتُ نَخِيلاً

بَلَعَتْ جُمَّارَهُ الأَرْضُ اليَبَابْ

هَلْ أَنَا حَيٌّ أَمَ ï*گنِّي جُثَّةٌ

أَثْقَلََهَا حَرُّ العَذَابْ

كَيْفَ لِي أَنْ أَلْحَقَ اليَوْمَ بِعُصْفُورِ الفَيَافِي

وَلَهِيبُ النَّفْسِ بِي يَمْخُرُ أَدْغَالَ السَّحَابْ

مَرْكَبِي شَقَّ البِحَارَ السَّبْعَ

لَكِنَّ الرِّيَاحَ الْهُوجَ لَيْلاً سَلَبَتْنِي كُلَّ زَادِي

مَا أَشَقَّ الرِّحْلَةَ اليَوْمَ وَلاَ زَادَ بِجَوْفِي !

أَيُّهَا الْمَرْكَبُ هَلْ تَسْطِيعُ أَنْ تَعْبُرَنِي

إِنِّي تُرَابٌ فِي تُرَابٍ فِي تُرَابْ...

وجدة: 30/10/1994[/QUOTE]

يا لروعة هذا الجمال الذي يتدفق مسكاً من رائحة الحروف وهي تتغنى على أوتار الأدب الراقي..
قصيدة من عمق الذات لعمق الفكر لعمق الفلسفة التي ينثرها الرباوي الشاعر الكبير من قاموس حرفه المشع نقاء الذي يحمل أبعاد الغربة عن الذات ويقلبها وجعاً حين يضيع بين أروقة الحياة الزاد..
الترااااااااب..وما تحت التراب وما بين ذراته الموجعة من دلالات تجلد النفس وتعيث فيها العتاب والمحاسبة لتبقى في حذر من الدنيا وزينتها ويبقى الخشوع هو الزاد...
الشاعر هنا يفتح آفاق الفكر نحو ترنيمة تهزنا وتجلد قلوبنا وجعاً حين يهتز فينا وتر المعصية ونخسر زاد الآخرة..
الشاعر في قصيدة التراب يوجهنا إلى أصلنا وبداية خلق الإنسان من التراب كي يذكرنا بالخالق ويعيدنا لعبادته والتدبر بين آياته..
التراب..عنوان وحده يملي على النفس تجديد الفكر وإعادة تدوير الحياة من منظار العودة لله وتجديد الإيمان..فالإنسان عندما تتراكم عليه الدنيا بما فيها من مواطن ضعف وانحراف..يجد نفسه بين فكّيّ الضياع والمعاصي ويغوص بين ذرات التراب..
فعندما يبتدئ قصيدته بهذه الكلمات:

/يَمْتَطِينِي الْحُزْنُ. أَسْتَلْقِي عَلَى نَفْسِي

رُكَاماً مِنْ تُرَابْ/

هنا صورة مكبرة جدا للحزن وهو يمتطي بقوة باستحواذه على جسد الإنسان ..كيف يصور الشاعر درجة الحزن وهي تتملك الذات..و/تمتطيني/ فعل غلب على الجسد بسيطرته عليه من خلال ركوبه الجسد من فوقه..وعملية الامتطاء هي نفسها استحواذ وسيطرة على الجسد لأنه يركب ظهر الجسد لتكون النتيجة قصم الجسد من كثرة الحزن..وهذا وصف دقيق جداا لحجم الحزن الذي يتضلع به الجسد ومدى تحكّمه به..وكان نتيجة الامتطاء رضوخ الجسد لحجم الحزن لتتم بعدها عملية الاستلقاء وأي استلقاء يحدثنا به الشاعر ..استلقائه على نفسه..وهذه من أجمل ما قرأت من وصف من خلال تأثير الحزن على النفس قبل الجسد..فقد قال/ أَسْتَلْقِي عَلَى نَفْسِي/ الرباوي هنا كان ذكياً جدا بانتقاء حروفه..فقد جعل من سياط الحزن تأثيراً بليغاً على النفس الشاعرة وعمق الذات أكثر من تأثيرها على الجسد..لأن تأثير الروح والنفس أشد وأعتى أثراً من الجسد...
ثم اختياره للفعل/ أستلقي/ متقناً جداً لأن الإنسان عندما يسعر بالتعب من متاعب الحياة يذهب للاستلقاء على مكان ليستريح فيه من عناء ما واجهه خلال أيامه..يستلقي على السرير أو على الأريكة أو على الأرض أو على مكان يتنفس فيه تعبه ليخلد للراحة..لكن الشاعر جعل عملية الاستلقاء ذاتية بعيداً عن أي متاع من الحياة الدنيا..جعل الاستلقاء على نفسه فقط / أَسْتَلْقِي عَلَى نَفْسِي / كي يوجهنا إلى ذاته ولمشاعره التي تتألم من شدة الحزن..وهذا يشير بدلالة الوجع المحبوس في ذاته ومدى قوته وهو يعتصر أنواع الحزن في أعماقه..ولكن يكمل الشاعر ليوضح طريقة الاستلقاء على النفس على أنها/ رُكَاماً مِنْ تُرَابْ/.. وهذه دلالة على قمة الوجع الذي حوّله ركاما بمعنى تحطيم كامل للذات وكأنها عادت روحه وجسده تراباً قبل خلقه وولادته..بمعنى أنه لم يعد يشعر بالحياة ومعانيها ومعالمها وكأن الحياة انطفأت من شدة هذا الحزن..

التراب له دلالات تعبّر الحياة والموت..تعبّر عن خلق الإنسان..عن حسّه الوجودي في عالم من تراب..عن استقباله لأول منزلة في القبر..ودفنه تحت التراب..
التراب يداعب الإنسان في تحسسه بالأرض والوطن والهوية...التراب من سرّ الوجود..
التراب يعبر عن تمسك الإنسان بالحياة وبالأرض..هو رمز الوجود في نطاق الكرامة..هو رمز التفكر في عظمة الخالق..

الشاعر هنا استطاع ببراعة وحرفية توظيف مشاعره عبر سفيره المتقن وهو القلم للدخول لفكر المتلقي وإخراج نواة خياله واتساعها لتتعاظم مع قدرة الشاعر البارعة في تجسيد مواطن الوجع المدفونة في أعماقه..هذا هو التفرد في اختيار الألفاظ وتوظيفها ببراعة مذهلة..
يقول:

/ هَزَّ جِذْعِي الْخَوْفُ هَزًّا فَتَسَاقَطْتُ نَخِيلاً /

الصورة هنا غاية في الجمال..غاية في الاتقان..تعبير يدل على عظمة التجلي في حضرة رب السماء الذي خلق فأحسن خلقه..
صورة أجهدت الدموع في مدار التدبر والخوف من الجليل للعمل بالتنزيل..
أيّ خوف هذا الذي يشد الشاعر ليهزه هزّا
لدرجة سقوطه في محراب الله بكل حواسه ..وقد أتى الخوف على جميع حواسه ومشاعره..لا خوف بعد الخوف من الله من التقصير في العبادة وفي دروب رضاه..
الوصف الذي يحمل الخوف ويهز الجسد والروح كان متقناً جداً يوازي عظمة الخوف الذي يشعر به الشاعر..إذ يصور لنا هذا الخوف كأنه يهز جذع الشاعر..والجذع كناية عن الجسد بما يحمله من الروح..
و/تساقط النخيل/ كناية عن اقتلاع الجسد بما فيه من جذوره ليكون الموت صورة مجسدة صورها الشاعر ببراعة ليُشعرنا بقيمة الخوف من الجليل وما يفعل بالجسد والروح إذا تملّك الإنسان..وهنا إشارة للحالة النفسية التي يعيشها الشاعر وهو يستذكر خطوات البعث والنشور من التراب للتراب..تساقط النخيل يعني انعدام الثمر والزهر وتفتحه وانتهائه من الحياة..

/ بَلَعَتْ جُمَّارَهُ الأَرْضُ اليَبَابْ

هَلْ أَنَا حَيٌّ أَمَ ï*گنِّي جُثَّةٌ

أَثْقَلََهَا حَرُّ العَذَابْ/

حالة الاستفهام هنا هي حالة التجلي مع الروح..وحالة التدبر والخشوع..وحالة محاسبة النفس بما اقترفته من الذنوب..
عندما يصل الإنسان المؤمن لحالة من محاسبة النفس يكون في طريقه الصحيح نحو رضا الله..وإلا كيف يلومها وما فعلت من المعاصي ليتساءل وهو مدرك تماماً أن العذاب يثقله ويشد عذابه..فمهما بلغ المؤمن الذي يخشى ربه..من الطاعات يبقى يشعر بنفسه التقصير ولا يأمن مصيره في الآخرة..
فالسؤال الذي يطرحه الشاعر / هَلْ أَنَا حَيٌّ أَمَ ï*گنِّي جُثَّةٌ / يقصد به أن الحيّ هو الذي يحيي قلبه وروحه بطاعة الله..والجثّة هي التي تُنتزع منها عوامل الطاعات وتنتهي فيها صلاحية العمل..لتصبح بلا روح..
سؤال الشاعر هذا..يحفز النفس على عدم الركون للدنيا وما فيها من ملذات ومتاع..للوصول للقول.. للكلمة الرائعة التي قالها سيدنا عمر رضي الله عنه: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا.. وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم.. واعلموا أن ملك الموت قد تخطاكم إلى غيركم وسيتخطى غيركم إليكم.. فخذوا حذركم".

وقال الله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ) [ الحشر : 18 ] .

فعملية المحاسبة للذات تدخل في أبواب التوبة وتدخل في منازل التقرب إلى الله تعالى..وتجعل النفس يقظة من الإسراف عليها في الدنيا وتبقى في حذر الوقوع فيما يغضب الله..فالمؤمن يقع في المعاصي والذنوب ولكن الكيّس من دان نفسه وأيقظها من بلوغ تخمة المعاصي والذنوب...هذا هو المؤمن حقاً الذين إذا عصى الله تذكر عذابه فلام النفس واستقام..لأننا في مجتمع غير ملائكي نعصي ونتوب ثم نستغفر الله ليغفر لنا الذنوب...

/ كَيْفَ لِي أَنْ أَلْحَقَ اليَوْمَ بِعُصْفُورِ الفَيَافِي

وَلَهِيبُ النَّفْسِ بِي يَمْخُرُ أَدْغَالَ السَّحَابْ/

صورة جمالية بليغة المعاني ساحرة البناء..
والتي توضح عملية المحاسبة للذات ..
هذه الصورة الجمالية جاءت من خلال الشعور بالذنب والتقصير في محراب الله..
لأن النفس هي التي تعكس الروح الحقيقية التي يتمتع بها الإنسان فتنعكس في سلوكه وتصبح مبرمجة في الدماغ لتكون منهاج وأسلوب حياة..
حين يستعمل الشاعر أداة الاستفهام / كيف/ في قوله/ كَيْفَ لِي أَنْ أَلْحَقَ اليَوْمَ بِعُصْفُورِ الفَيَافِي /..لا يريد بها استفهام حقيقي إنما يريد بها استفهام مجازي..بمعنى أنه
لا يريد بها عملية استفهام وإجابة من المتلقي بل لإيصال معانٍ أخرى مغلفة باستفهام تنبيهي وتعجبي..ثم استفهام للنفس عند قوله:/
وَلَهِيبُ النَّفْسِ بِي يَمْخُرُ أَدْغَالَ السَّحَابْ/..
وهذا كناية عن ما يلحق النفس من التعب والوجع في حق التقصير..
استخدم الشاعر كلمة / لهيب/ وهذه كناية عن شدة الوجع وتعاظمه واحتراق النفس من كثرة ما تلاقي من تعب..لأن كلمة لهيب من اللهب واللهب يأتي من أثر عملية الاحتراق..بدون الاحتراق لا يحدث لهب..لذلك كان في نفس الشاعر احتراق داخلي نتج من كثرة المعاتبة ومحاسبة النفس مما أدى إلى توهجها ولهيبها وازدياد الوجع بشكل تصاعدي..
يكمل الشاعر رحلة الإنسان في هذه الحياة الدنيا وما فيها من عواصف ومعاصي وملذات تهدم نقاء الروح وتخدش صفاءها في محراب العبودية لله..يقول:

/ لَكِنَّ الرِّيَاحَ الْهُوجَ لَيْلاً سَلَبَتْنِي كُلَّ زَادِي

مَا أَشَقَّ الرِّحْلَةَ اليَوْمَ وَلاَ زَادَ بِجَوْفِي !/

عملية تصوير الحياة الدنيا ومفاتنها تتجلى في هذه الكلمات المتقنة البارعة في تنظيمها..
فالرياح الهوج..هي عملية تشبيه للدنيا ومغرياتها وكأنها رياح تضرب الروح ثم تقلع كل جمال فيها إذا تشبثت في داخل القلب..
والدنيا إذا تجذرت في النفس كان صعباً على مالكها اقتلاعها كي تستكين في محراب بارئها..وهذه تعتبر مجاهدة النفس وهي من أصعب أنواع المجاهدة..فمن يتغلب على نفسه وهواها يكون قد ملك روحه وطوّعها لطريق الاستقامة..وإلا غرق وهلك وكُتب له الشقاء لا محالة..
فالشاعر ذكر الرياح الهوج أنها سلبته كل زاده ليلاً...والسؤال هنا نطرحه لكشف أسرار النص والتنقيب عن دقة الألفاظ
فالشاعر ذكر الرياح الهوج أنها سلبته كل زاده ليلاً...والسؤال الذي نطرحه هنا لكشف أسرار النص والتنقيب عن دقة الألفاظ هو..لماذا استخدم الشاعر كلمة/ ليلاً/ وماذا أراد بها توضيحاً..أم أنها كانت كلمة عفوية بلا قصد؟!
هنا يكمن سرّ وجمال اختيار الألفاظ بعناية فائقة..وتوظيف متقن ..
فالليل في منزلة العابدين هو منارة الروح وتوهج النفس في عملية إصلاحها..لأن الليل هو دأب الصالحين في العمل والاختلاء برب الكون والدعاء النقي والتقرب إلى الله إنما يكون ليلاً والناس نيام..وهذه الخاصية في استغلال الليل لتطهير الروح لا تكون إلا لعباد الله الصالحين الذين يشمّروا عن أنفسهم في العبادة للتقرب من الله سبحانه..فالليل هو ميزان المؤمن الحق الذي يترك نومه وفراشه لأجل الله تعالى ورضاه..
ونلاحظ أيضاً دقة الألفاظ في قوله:

/لَيْلاً سَلَبَتْنِي كُلَّ زَادِي

مَا أَشَقَّ الرِّحْلَةَ اليَوْمَ وَلاَ زَادَ بِجَوْفِي !/

فالدنيا سلبته كل زاده ليلاً..لأن العبادة لتطهير الروح تكون ليلاً بعيداً عن خلق الله وحيث السكون والتبحر في عظمة الكون.. والليل أقرب للخشوع والتدبر وحصد الثواب والأجر عند المؤمن..لذلك الشاعر وظّف الليل لحصاد العبادة في الصلاة والمناجاة وهذا هو الزاد الذي يدخره..لكن حين تعتلي الدنيا قلب المرء فإنها تخلّصه من كل زاده وتقتلع من قلبه ووجهه النور..ولذلك هذه الألفاظ محملة بروح الصوفية التي تعالج الروح من الإفراط في اعوجاجها..
لذلك بعد أن تأكل الدنيا العمل الصالح للمؤمن يكون خالياً من الزاد الذي سيلقى به ربه ثم تصبح بعد ذلك الرحلة شاقة..لأن الوصول لمنازل الأتقياء والدرجات العلى شاق جدا يحتاج جهداً كبيراً كي يروّض المرء ذاته لطاعة الله ..
كما قال تعالى:

(وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى).(البقرة: من الآية197)...

أما عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى فقال:

(ليس تقوى الله بصيام النهار، ولا بقيام الليل، والتخليط فيما بين ذلك، ولكن تقوى الله ترك ما حرم الله، وأداء ما افترض الله)..

لذلك فإن الشاعر ينتقي الألفاظ بدقة متناهية ويلحقها بدلالات تخدم هدفه ومبتغاه ..
ففي قوله/ َ وَلاَ زَادَ بِجَوْفِي !/ كان هنا حريصاً على التفرقة بين الزاد الذي نحمله بين أيدينا أو نوفره في مكان ما وبين الزاد الذي يتقوقع في جوفه..وهنا تنطلق دلالات الإيمان والتقوى وطاعة الله إذ هي تستقر بالقلب وتنطقها الجوارح لذلك كان الاتقان والترابط في الألفاظ مع روح اانص منسجماً يوسع به بؤرة المعنى الإشاري..ويحرك مفردات اللغة وفق الحس الداخلي والخارجي..
لنتأمل القفلة التي كانت زبدة القصيدة ولبّها في قوله:

/ أَيُّهَا الْمَرْكَبُ هَلْ تَسْطِيعُ أَنْ تَعْبُرَنِي

إِنِّي تُرَابٌ فِي تُرَابٍ فِي تُرَابْ... /

هنا تكمن فلسفة الشاعر في تعريف الذات الإنسانية..كلمات عميقة جداً ازدانت بتكرار كلمة/ تراب/ والتي هي عملية تأكيد لمكنون التراب ومفهومه على اختلاف معانيه واختلاف قصد الشاعر...
كل كلمة تراب لها مدلول خاص يختلف عن سابقته وهذا هو عنصر الذكاء والجمال في نسيج النص...
فقد عبّر فيها الشاعر عن معنى التراب وربطه بالحياة والموت وبالأرض وبالهوية..
يربط الشاعر الإنسان بالأرض والتي يعيش عليها ويأكل منها ويكبر منها..ثم يموت فيها..
ففي قوله:
/ إِنِّي تُرَاب/
هذا التراب يدخل في خلق الإنسان..أنه خلق من تراب..عقله وجسده وفكره ومشاعره كلها من تراب..وهنا يدخل لمضامين الأرض وما يحمل الإنسان من صفة الطين من خلال أنه يبقى إنساناً يخطئ ويصيب ..يذنب ويعصي ثم يتوب..أي يغلب عليه صفة الطين المجبولة بعقلية الإنسان الذي يبقى مرتبطا بالتراب ويحاول الصعود بعمله وفكره نحو السماء ونحو العلو في القلب والنقاء..لكن إذا بقي الإنسان في حدود معالم التراب فإنه سيبقى في دائرة المعاصي والذنوب ولا يملك حينها التطهر من علق الأرض التي هي الدنيا..
ثم جعل الشاعر كلمة التراب نكرة وليست معرفة لأن كل إنسان طينته تختلف عن الأخرى وإلا تشابه الخلق في كل شيء..
من التراب الزرع والثمار..منها تأكل كل سائر المخلوقات..منها صناعتنا وغزلنا ثيابنا..منها عملية التكاثر والحياة..
.
ومع حرف / إنّي/ حرف التوكيد..
كأنه يقول أننا مهما وصلنا في درجات التقرب والسمو من الخالق نبقى بشراً نعصي ونذنب..
ولا نصل لدرجة الملائكية أبداً لأنها هذه طبيعة البشرية جمعاء...
أما كلمة تراب الثانية في قوله:
/ في تراب/ هنا ندخل لمدلالات أخرى ومضمون آخر...
فهو خلق من تراب وفي تراب أي أنه خلق في رحم أمه والتي هي خلقت من تراب..
ثم في تراب الثالثة تعني القبر والعودة للجذور وهو التراب..
ليصبح في ثلاثة حلقات حياتية تضمنت مراحل الحياة التي قدرها الله تعالى على البشرية...
تلك هي فلسفة الشاعر في تكوين الإنسان ووجوده على هذه الأرض وغاية وجوده في هذا الكون..
.........
التراب/ قصيدة تعدل بحوراً من التأمل والتفكر والتدبر..اندمجت حيثياتها بين روح الشاعر ومشاعره وبين
فلسفته في الحياة والتي اتكأت على البُعد الروحي وانغماس النفس في محراب الفكر التأملي العميق والذي يُخرجنا من فكر بسيط إلى واحة من الفكر العميق والذي يتطلب جهداً في عملية إفراز المضمون وأهدافه..
قصيدة قالت الكثير في أسطر قليلة وهذا دليل على قوة الشاعر وقدرته في صناعة الحرف لموسوعة متكاملة من الخيال والعمق وتطويع الحروف لغزل ديباجة متقنة من السحر والجمال الأدبي..حيث قرأنا ما تحت السطور من إبداع وإتقان..
الشاعر الكبير البارع المتمكن من غزل نسيج شعري متفرد
أ.محمد علي الرباوي
بورك قلمكم وفكركم الواعي على ما تحيكونه من جمال وإبداع تحثون الفكر على النشاط والاشتغال..من خلال تعابيركم الدقيقة وتحريك مفردات اللغة وفق الحس الداخلي والخارجي بترابط مع الرموز الموحاة في القصيدة باندماج مترابط لتراكيب اللغة مع المؤثرات الذاتية والحسية والتي منحت الخيال أبعاداً تلاءمت مع فكركم ورؤيتكم للذات والواقع المصهور بكلماتكم الواعية..
وفقكم الله لنوره ورضاه
وزادكم بسطة من العلم والخير الكثير وغفر لكم ولنا...
رمضان كريم وتقبل الله منا ومنكم الطاعات
.
.
.
جهاد بدران
فلسطينية







التوقيع




( عذراً .. ليس لي حساب على الفيس بوك )

رد مع اقتباس
إضافة رد

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
الأعضاء الذين قرأو الموضوع :- 10
, , , , , , , ,
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Loading...


:: الإعلانات النصيه ::

روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه
روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه
روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه
روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه
روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه روابط نصيه


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.

Security by AOLO
vEhdaa4.0 by vAnDa ©2010